عبدالله قمح - خاصّ الأفضل نيوز
لم يحقق القضاء ما يُذكر من جراء استدعائه الأستاذ المحاضر في الجامعة الأميركية في بيروت وأحد المقرّبين جداً من "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، مكرم رباح، ومثوله أمام محققي الأمن العام. ما تحقق فعلاً، كان عبارة عن دق مسمار جديد في نعش المؤسسة القضائية، وزيادة "السُعار" في محيط من يدفع صوب إلغاء حالة العداء مع إسرائيل!
خلال جلسة التحقيق لدى الأمن العام مع رباح، كان الأخير واضحاً في التعبير عن تأييده توقيع اتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل. وفي سياق التحقيقات، أوضح أنه لا يؤمن بنظريات العداء مع إسرائيل. وبرّر كلامه عبر برنامج سياسي موجّه للعامة حول استدعاء إسرائيل احتلال أراضٍ لبنانية بأنه "رأي وموقف". أما الاسئلة الأخرى التي طُرحت عليه، فتعاطى معه بما لا يختلف عن الأسلوب أعلاه.
طبقاً للقانون اللبناني، يمثل كلام رباح أمام المحققين
جرماً صريحاً، لسبب بديهي، أن القانون اللبناني ما زال يصنف إسرائيل كدولة عدوة. في المواقف الرسمية كافة التي يطلقها رؤساء ووزاء ونواب، ما زال ينظر إلى إسرائيل كعدو يحتل أراضٍ لبنانية ولديه أطماع في برٍ وبحرٍ وثروات. في قانون العقوبات، ثمة مواد واضحة، تنص على عقوبات محددة لكل من يتواصل أو يتصل مع العدو، أو يقوم بالإذاعة سواء بالنشر أو بالكتابة.
في المحصلة ما زالت إسرائيل عدواً. أقله بنظر القانون. إن تغير شيء ما لا بد إذاً من تعديل النصوص. وطالما أن الأمر على هذا النحو، إذاً لا بد للتعامل أن يكون من صلب القوانين وأي تجاوز محكوم بالمساءلة.
طبقاً لذلك، يصبح ما تفوّه به رباح، جرماً يستدعي المحاكمة. هذا رأي معشر واسع من أهل القانون الذين وجدوا أن القضاء، في هذه الحادثة وغيرها، يخرج عن النص، ولا يطبق المواد بل ويتجاوزها. ومن البديهي أن يؤثر ذلك بشكل متدرّج على القضاء وحضوره وقراراته وصورته.
نشأ عن ذلك، وقبله عن حالات كثيرة مماثلة، شعور لدى أهل القانون والأمن وأناس عاديون، مثلنا تماماً، أن القضاء يتعاطى بخفة ويتسامح مع الجرائم المتصلة بالاتصال أو التواصل مع إسرائيل أو إبداء مواقف أو آراء مناهضة للعداء مع إسرائيل. أسلوب "الترك" الذي ينتهجه القضاء في كل مرة تحصل فيها حادثة مماثلة، شجّع ويشجّع على استمرار هذه الحالات وتعاظمها وتطورها بشكل مختلف وملحوظ عن كل مرّة.
إذاً يصبح القضاء مسؤولاً عن هذا التحول.
أكثر ما يثير ريبة، الأجهزة أو رجال القانون، أن تفعل ممارسات بعض رجال القضاء فعلها في القضاء نفسه. أن يغدو لاحقاً، بفعل الأسلوب المتبع، التعامل مع إسرائيل أو الاتصال معها أمراً طبيعياً لا يعاقب عليه القانون. أخطر ما يتولد أن يصبح الشعور ذاهب نحو تقصّد إرساء هذا الفعل تحديداً. أن يتحول نهجاً. أن يكون هناك تعمّد صريح في إحداث تغييرات أو إعادة تدوير لمواد القانون بالممارسة. أن يكون ثمة دافع لإجراء تغييرات شاملة حول نظرة القضاء العامة إلى قضية العداء مع إسرائيل. أن يكون هناك تقاطع ما مع جهات أو منظمات ما، حيال تكريس مفاهيم لا تجعل من تناول هذه القضايا جرماً. أن يجري التعاطي معها بطريقة طبيعية، ما يدفع صوب تعاطي الآخرين مع هذه العناوين بطريقة طبيعية أيضاً. أن تسقط المحرمات ويصبح النقاش في أصل وجود إسرائيل واحتلالها شيئا طبيعيا جداً. ويحتمل، ربما، أن يكون أيضاً ثمة قضاة منخرطين في دور ما يمهد إلى إرساء جو ما يصبح معه التطرّق إلى مسائل على علاقة بإسرائيل، أشياء تحدث!
أمام هذه المشهدية، يصبح تقصّد بعض الوجود والشخصيات تلاوة وإذاعة مفاهيم حساسة إلى هذه الدرجة وبهذه الحدة، فعلاً مقصوداً. كأنه يهيئ الرأي العام إلى تطور ما مقبل على هذا الصعيد. يكسر "تابو". يصبح بعده تناول هذه المسائل عادياً. يصبح أمثال هؤلاء لديهم مهمة محددة، تقوم على تنويع الخطاب الدافع بقبول إسرائيل كما هي، واستثمار ذلك في الإعلام لا بل تقديمه بكل جرأة، واستدراج ردود فعل حياله. أي جعله نقاشاً دائراً مستمراً، مدعومًا من جانب منظمات وجمعيات ومنصات ووسائل إعلام مجندة لأداء مهمة واحدة: تظهير هذا الخطاب.

