طارق ترشيشي- خاصّ الأفضل نيوز
هي ثلاثة أسابيع تفصل عن موعد انتخابات الرئاسة الأميركيّة يتوقع لبنان والمنطقة أن تكون محفوفة بكثير من التطورات بل من المخاطر، إذ يتوقع أن يأخد نتنياهو "مجده" خلالها والذهاب إلى مزيد من التصعيد على جبهتي لبنان وكذلك في اتجاه إيران ردًّا على هجومها الانتقامي الأخير.
فالديبلوماسية الأميركية، وكما قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري، لم يقدّم حتى الآن سوى الكلام الديبلوماسي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في مجال السعي إلى وقف إطلاق النار، ولم يترجم على الأرض بعد بأي خطة عملية، بدليل أنّ نتنياهو ماض في إجرامه ولا يردعه رادع ولو أنه خفف من غاراته الجوية على بيروت وضاحيتها الجنوبية وكأنه بذلك "يعطي من طرف اللسان حلاوة" للأميركيين وحلفائهم الغربيين دون سواهم غير آبه بالانتخابات الأميركية وما ستؤول إليه لأن النتيجة عنده واحدة سواء فازت كامالا هاريس أو فاز صديقه دونالد ترامب فكلاهما يعملان في خدمة الحزب الصهيوني الأميركي ـ العالمي الذي يلزم دوماً الولايات المتحدة الأميركية بالدفاع عن أمن إسرائيل ووجودها فيما نتنياهو يمننها ويمنن الدول الغربية بأنه يدافع عنهم ويقاتل من أجلهم ويخوض الحرب بالأصالة عن إسرائيل وبالوكالة عنهم، وقد قال ذلك بوضوح في الأسابيع الأخيرة أمام الكونغرس الأميركي أولاً ثم أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة ثانياً فيقتل ويدمر ويركب الإبادات والمجازر الجماعية وهم عن ذلك راضون.
نتنياهو يقتل ويدمر، يقول قائل، فيما الولايات المتحدة رمت "ورقة إلهاء" لا "ورقة إسناد" للبنانيين اسمها الانتخابات الرئاسية اللبنانية وقالت للبنانيين اذهبوا وانتخبوا رئيسًا للجمهورية في أسرع وقت لأن الأولوية، في رأيها، هي لهذا الاستحقاق قبل الذهاب إلى تنفيذ القرار1701 ووقف الحرب، فيما نتنياهو يحاول فرض تنفيذ هذا القرار على طريقته بالقوة والضغط العسكري، ولذلك يعمل على احتلال أراض لبنانية بعمق خمسة كيلومترات جنوب الليطاني مبررًا ذلك بالعمل لتأمين عودة المستوطنين النازحين إلى المستوطنات الشمالية فيما هو يريد أن يكون من هذه الرقعة الجغرافية رأس جسر للانقضاض شمالًا لاحتلال أراض جديدة مثلما فعل أرييل شاروون في خلال اجتياح لبنان عام 1982 حيث قال أنه سيحتل فقط منطقة جنوب الليطاني لإبعاد مدى صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية عن الجليل وإذ به يتدرج في الاجتياح شمالًا وصولًا إلى بيروت والبقاع الغربي.
ويبدو أن شارون يسير على رسله الآن، حيث أنه يدعو سكان الجنوب عبر أبواقه العسكرية للنزوح إلى شمال نهر الأولي، أي إلى ما بعد بعد شمال صيدا وليس إلى شمال الليطاني فقط، وإذا كان فعلًا لا يبيت أمر اجتياح جديد للبنان فما الداعي إلى دعوته الجنوبين للنزوح إلى شمال نهر الأولي وما الداعي لحشده العسكري على الحدود في القطاع الشرقي وعلى جبهة الجولان حيث نزع الألغام من المنطقة العازلة تمهيدًا لاجتياح يلتف من خلاله إلى البقاع الغربي وليقطع طريق بيروت ـ دمشق وفصل تلك المنطقة عن منطقة الجنوب بغية قطع طريق الإمداد على المقاومة.
في وقت تحدث وزير ماليته المتطرف حتى النخاع عن أن "قدر القدس أن تمتد إلى دمشق" بحسب "حكمائنا"، كما قال قبل أيام، بل أنه زاد قائلًا أن "لدولة إسرائيل أراض من لبنان وسوريا والأردن والسعودية" ما يعني أنه ينبغي اقتطاعها وضمها إليها. ولذلك فلتان لسان سموتريتش تكشف حقيقة مشروع نتنياهو لإقامة "إسرائيل الكبرى" لأبعد من حدود نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط" إلى قلب شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وصولًا إلى الفرات إذا استطاع إلى ذلك سبيلا.
وليتبين من خلال كل ما يجري أن الحرب المعيوشة الآن هي حرب طويلة الأمد ولن تنتهي إلا بانتصار أحد المشروعين: مشروع نتنياهو التلمودي التوراتي بإقامة إسرائيل الكبرى ومشروع تحرير فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.
ولقد كان لافتاً في هذا السياق حديث نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في إطلالته الأخيرة عن تحرير فلسطين كلها وليس عن صد العدوان على لبنان وغزة والضفة الغربية فقط.
وانطلاقًا من كل هذه المعطيات بشقيها السياسي والميداني فإن المنطقة تقف على أبواب حرب شاملة يتوقع نشوبها في أي وقت وربما تنطلق شرارتها الأولى من الرد لإسرائيلي المنتظر على إيران التي هددت بالرد عليه بـ"رد مزلزل" في حال طاول منشآتها النووية والاستراتيجية والنفطية وغيرها وهذا ما قد لا يتورع نتنياهو عنه لأن طموحه وطموح كل القادة الإسرائيليين الذين سبقوه منذ عشرات السنين هو توجيه ضربة مدمرة لإيران كونها ترفع شعار زوال إسرائيل ودعمت ولا تزال تدعم كل حركات المقاومة في المنطقة وعلى رأسها حزب الله والمقاومة الفلسطينية بكل فصائلها المقاتلة سواء في قطاع غزة وفي الضفة الغربية وفي أي مكان خارج فلسطين المحتلة.
وفي السياق، يقول سياسيون ومسؤولون متابعون لمجريات الحرب أن نتنياهو لن يتورع عن محاولة احتلال ما أمكنه من أراض لبنانية وقد يكرر محاولة الاجتياح وصولًا إلى بيروت مثلما فعل شارون عام 1982 فإذا تسنى له الوصول إلى نهر الأولي لن يتردد في الزحف نحو بيروت ساحلًا وفي اتجاه طريق بيروت ـ دمشق (طريق المصنع) في البقاع الغربي شرقًا.
والمتوقع، بل المنتظر، أن تتحول مشاريع نتنياهو أضغاث أحلام بل أوهام لأنه بدأ يلمس أن المقاومة التي تتصدى لجيشه الغازي هي مقاومة استشهادية ذاهبة إلى الموت غير خائفة منه وذخيرتها الكبرى التي لن تنضب هي دماء سيد شهدائها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي حول بشهادته جميع المقاومين استشهاديين، وما يسطر في الجبهة الجنوبية الآن يشهد على ذلك حيث يلتحم المقاومون بالجنود الغزاة من المسافة صفر ويحصل هذا في مارون الراس ورامية وعديسة وكفركلا وغيرها من البلدات اللبنانية المحاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة.
عندما أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي جحافله لاجتياح لبنان عام 1982 وصولًا إلى بيروت ألقت الطائرات الحربية والمروحية مناشير تطايرت في الهواء من سماء الجنوب إلى سماء بيروت حملت عنوان "أيها المسلح قف وفكر" داعية في مضمونها رجال المقاومة الفلسطينية واللبنانية يومذاك إلى إلقاء السلاح قبل بلوغ الموت "لأن قياداتكم تركتكم وحدكم في الميدان وفرت" على حد ما ورد في هذه المناشير.
ولكن ذلك لم يفت في عضد المقاومين وصمودهم فتصدوا للمحتلين ببسالة وسطروا بطولات وملاحم ما تزال حكاياتها تروى حتى الآن. أما المقاومون اليوم فيسطرون ببسالة واستشهاد ملاحم أكثر وأعظم قائلين للغازي: "أيها الجندي الإسرائيلي قف وفكر لأن قادتك قد رموا بك إلى الجحيم".

