الياس المر - خاص الأفضل نيوز
في إطلالته بمناسبة عيد الاستقلال، أطلق رئيس الجمهورية عبارةً أثارت الكثير من التأويل: “جاهزون… ولكن”. جملة قصيرة، لكنها في قاموس السياسة اللبنانية تشبه الرسالة المشفرة، وتشي بمرحلة دقيقة يتقاطع فيها الداخل المتصدع مع الخارج المشتعل، فيما يواجه لبنان أخطر محاولة لتغيير قواعد اللعبة في الجنوب منذ عام 2006.
وراء هذه العبارة، تختبئ حكاية وطن استنزفت فيه كل عناصر القوة: اقتصاده الإنتاجي انهار، بنيته المالية سقطت، وموارده صودرت بفعل السياسات الريعية وتحالف المال والسلطة. ومنذ “17 تشرين”، يعيش البلد تحت وطأة انهيار شامل لا يمس العملة أو المصارف فقط، بل يطال قدرته على اتخاذ القرار، وإدارة أزماته، ورسم استراتيجيات تحفظ له الحد الأدنى من السيادة الاقتصادية.
خلفيات لا تقال علنًا
بحسب ما تسرّب من دوائر سياسية ودبلوماسية، فإن الأيام التي سبقت خطاب الاستقلال شهدت حركة اتصالات واسعة بين عواصم معنية بجبهة لبنان ـ إسرائيل. واشنطن نقلت عبر مستويات سياسية وأمنية رسائل واضحة:
المطلوب تحييد الجبهة الشمالية بأي ثمن، وإلا فالعقوبات والضغوط الاقتصادية ستعود بحجم أكبر مما كان قبل عام 2015.
هذه الرسائل لم تخلُ من تهديد مبطن بأن الدعم الدولي لأي خطة إصلاحية أو مالية للبنان مرتبط عمليًا بمدى تجاوب بيروت مع المسار الأميركي في الإقليم.
في المقابل، برزت معطيات تشير إلى أن باريس دخلت على الخط لإدارة “حافة الهاوية”، محاولة منع الانفجار الكامل. وقد حملت معها تصورًا أوليًّا يقوم على ثلاث نقاط:
1. ترتيبات أمنية على الحدود تطمئن إسرائيل.
2. برنامج دعم عاجل للمؤسسة العسكرية.
3. إطلاق مسار تفاوضي يحد من نمو قوة المقاومة ويعيد لبنان إلى دور الوسيط لا الجبهة.
لكن ما لم تقله البيانات الرسمية هو أن هذه المقترحات اصطدمت بحقيقة ثابتة: الميزان الميداني تغيّر. المقاومة باتت تمتلك قدرة نارية واستخبارية تجعل أي “انسحاب أحادي” أو “هدنة بلا مكاسب” أمرًا غير واقعي، سواء لطبيعتها كحركة مقاومة أو لحسابات القوى الإقليمية الداعمة لها.
معادلة “آخر حصون القوة”
اليوم، يخوض لبنان حربًا مركبة:
حربًا عسكرية على الحدود،
وحربًا سياسية في الغرف المظلمة،
وحربًا اقتصادية تُستخدم فيها أدوات الضغط المالي والحصار غير المعلن.
الاستهداف الأساسي هو المقاومة بوصفها العقدة التي تعطل مشروع الضبط الكامل للبنان ضمن منظومة أمنية واقتصادية تقودها واشنطن.
وقد نقلت مصادر سياسية أن أحد الدبلوماسيين الغربيين قال صراحة:
“التسوية في لبنان ليست ممكنة قبل ضمان الحدود الجنوبية، وضمان الحدود الجنوبية يعني ضبط المقاومة.”
هنا بالضبط تظهر أهمية عبارة الرئيس: “جاهزون… ولكن”.
الـ“جاهزون” جاءت عربون امتصاص للضغط الدولي، ورسالة بأن الدولة ليست خارج السياق الإقليمي ولا تعارض السعي إلى تسوية. لكن الـ“ولكن” حملت مضمونًا آخر: سقفًا تفاوضيًا واضحًا لا يمكن لبيروت التنازل عنه، وأبرز عناصره:
1. الانسحاب الإسرائيلي الكامل من النقاط المتنازع عليها، بما فيها المناطق التي تتسلل إليها إسرائيل بحجج تقنية.
2. دعم الجيش اللبناني ببرنامج تسليح حقيقي لا يقتصر على المساعدات الغذائية واللوجستية، بل يشمل قدرات ردع ورادارات وأسلحة دفاع جوي.
3. ضمانات دولية مكتوبة بوجه الأطماع الإسرائيلية، وليس مجرد وعود دبلوماسية قابلة للانقلاب في أي لحظة.
هذه الثلاثية ليست جديدة، لكنها اليوم تشكل الحد الأدنى من أي مسار تفاوضي يقبل به لبنان رسميًّا وشعبيًّا.
ماذا بعد؟
إذا استمرت الضغوط الأميركية وتعثرت الوساطات الفرنسية، قد يجد لبنان نفسه أمام واحدة من ثلاث سيناريوهات:
1. تسوية مؤقتة بوساطة دولية تؤجل الانفجار وتبقي الأمور تحت السقف الميداني الحالي.
2. تصعيد محدود ومدروس يريد كل طرف من خلاله تحسين موقعه قبل أي اتفاق.
3. انفجار شامل، وهو السيناريو الأقل احتمالًا لكنه غير مستبعد إذا أخفقت قنوات التفاوض.
في كل الحالات، تبقى عبارة “جاهزون ولكن” ليست مجرد خطابة.
إنها تمثل موقفًا لبنانيًا واقعيًا، مفاده:
نحن جاهزون للحوار،
لكننا غير مستعدين لفقدان ما تبقى من عناصر قوة تحفظ لنا وجودنا واستقلالنا.
في بلد اعتاد أن تخاض معارك الآخرين على أرضه، تبدو هذه المرّة معركته مختلفة:
المعركة تُخاض على الأرض اللبنانية، وبالمعايير الإقليمية الجديدة، والضغوط الدولية التي وصلت إلى الفورية والمباشرة، خصوصًا إبّان إعلان الرئيس ترامب نيته استقبال الرئيس عون في البيت الأبيض. كل ذلك يواجه دولة منهكة…
لكنها لا تزال تملك كلمة “ولكن”.

