طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
تحتاج الدول في اللحظات المصيرية إلى قرارات استثنائية بهدف حفظ بقائها وأمن مواطنيها. وأحيانًا تحتاج إلى العودة إلى المبادئ الأولى التي قامت عليها الدولة وبنت عبرها عقدها الاجتماعي.
اليوم تُجبِرنا الظروف بالعودة إلى خطاب قسم فخامة الرئيس جوزاف عون لحظة انتخابه. وهي ليست مجرّد استعادة لنص سياسي إنشائي، بل لاستعادة البوصلة الوطنية بعدما أفقدتها المغامرات اتجاهها، ورمت بالوطن الجريح في أتون النار الإقليمية وسط الانقسامات الداخلية.
مبادئ واضحة
لقد حمل خطاب القسم في ظاهره ومضمونه وعدًا واضحًا بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش والقوى الشرعية، وحصر السلاح فيها كجهة وحيدة مسؤولة عن حماية البلاد والدفاع عنها. ولم يكن هذا المبدأ تفصيلًا تقنيًا أو شعارًا عابرًا، بل قاعدة أساسية لقيام أي دولة قابلة للحياة. كما أشار بوضوح إلى ضرورة استقلال القضاء ونزاهته، فبدون عدل وعدالة لا قيام للدول.
الأفعال بدل الأقوال
ومع تصاعد الحرب في المنطقة واتساع رقعتها، أصبح التنفيذ أكثر إلحاحًا، فلبنان المنهك اقتصاديًا والممزق سياسيًا، لا يملك ترف الدخول في مغامرات عسكرية أو الانجرار إلى حروب الآخرين. ولا يملك قدرة تحمّل كلفة تحويل أراضيه إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
الفرص المهدورة
إن التجارب القريبة والبعيدة تؤكد حقيقة واضحة وهي أنّ الدول التي تتعدد فيها مراكز القرار العسكري تفقد قدرتها على حماية نفسها، وتتحوّل تدريجيًا إلى ساحات صراع بدل أن تكون دولًا ذات سيادة.
ومن هنا، فإن حصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلبًا سياسيًا فئويًا، وليست انتصارًا لفريق على آخر، بل شرط بديهي لقيام وبقاء الدولة نفسها.
الأمر ليس صراعًا داخليًا، ولا تسجيل نقاط سياسية، بل مسألة وجودية تتصل بمصير لبنان ومستقبله. فحين أصبحت الحدود مفتوحة وقرارات الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية، تحوّل البلد بأكمله إلى رهينة التوازنات الإقليمية ولا قدرة له على التحكّم بها.
الدواء المر
في ظل النماذج المأساوية في المنطقة وتحوّل الدول إلى ساحات حرب مدمّرة، يصبح السؤال لزامًا: هل يريد اللبنانيون تكرار تلك التجارب؟ وهل يمكن لبلدنا الصغير أن يتحمل الإقامة في خانة جبهات القتال الدائمة؟
إنّ العودة إلى خطاب القسم، تعني قبل أي شيء آخر، العودة إلى فكرة وروح الدولة. دولة القرار الواحد، والسلاح الواحد، والمسؤولية الواحدة. دولة تحمي شعبها لا أن تعرّضه إحدى مكوّناتها للمخاطر. دولة تصون سيادتها عبر مؤسساتها الشرعية لا عبر تعدد مراكز القوة.
قد يبدو هذا الهدف صعب التحقيق في ظل التعقيدات الحالية، وقد يراه البعض حلمًا أو سرابًا، لكنه الطريق الوحيد للإنقاذ الوطني. فلبنان لا يحتاج إلى الجبهات المشتعلة، بل إلى دولة قادرة على حماية أبنائها ومنع انزلاق البلد إلى مصيرٍ لا يشبهه ولا يحتمله.

