كمال ذبيان - خاصّ الأفضل نيوز
يمرّ لبنان في مرحلة مصيرية خطيرة هي الأصعب والأدق في تاريخه منذ نصف قرن، عندما فتح الصراع مع العدو الإسرائيلي الذي كان محايدًا نفسه عنه تحت شعار اتفاقية الهدنة بينه وبين الكيان الصهيوني عام 1949. إلا أن هزيمة أنظمة عربية ونكسة جيوشها في حرب ٥ حزيران للعام 1967، والتي دامت ستة أيام، توسّعت فيها إسرائيل واحتلت الضفة الغربية وسيناء والجولان، فكان الرد بالمقاومة التي بدأتها حركة فتح من غور الأردن وشاركت فيها فصائل فلسطينية أخرى.
هذه المقاومة جاءت بعد نكبة فلسطين واغتصابها من العدو الإسرائيلي عام 1948، ثم نكسة حزيران 1967، وإن كانت سبقتها مقاومة في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، فحرّكت الإنسان العربي الذي رأى في المقاومة الفلسطينية ردًّا للكرامة واستعادة للحق القومي في الأرض المحتلة. لكن العدو الإسرائيلي، المتواطئ مع أنظمة عربية، تصدّى للمقاومة التي وقعت فصائلها في أخطاء تكتيكية واستراتيجية، ودخلت بلعبة تغيير أنظمة وحصول فوضى في دول، إضافة إلى المشروع الإسرائيلي بتصفية أي مقاومة.
ونال لبنان نصيبه من تمركز المقاومة الفلسطينية على أرضه في الجنوب، وتحديدًا في العرقوب لقربه الجغرافي من فلسطين المحتلة، فحياد لبنان لم يبعد الحروب عنه، سواء كانت داخلية بسبب المقاومة لتحرير فلسطين أو خارجية على كل فصيل مقاوم. فكانت الحرب التي كان لها أسباب داخلية لها علاقة بتطوير وإصلاح النظام، وتقاربت مع المقاومة الفلسطينية، ودخلت عليها مصالح خارجية في ظل حرب باردة بين الاتحاد السوفيتي وأميركا ولعبة محاور ونفوذ على لبنان.
هذا الوجود المقاوم اللبناني الفلسطيني تسبب باجتياح واحتلال إسرائيل لجنوب الليطاني وإقامة "حزام أمني" فيه عام 1978، ثم غزو صهيوني للبنان صيف 1982 أدى إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بعد محاصرتها، وانتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية الذي تعاون مع العدو الإسرائيلي لإقامة "سلام" معه، فاغتيل وحلّ مكانه شقيقه أمين الذي وقّع اتفاقية 17 أيار للسلام. لكن القوى الوطنية أسقطتها مع بروز المقاومة الوطنية ودعم سوريا، فحصل تغيير في المعادلة الداخلية وانسحبت القوات المتعددة الجنسيات وعاد الجيش السوري إلى لبنان.
وما لم يحصل قبل 44 عامًا يتكرر في هذه المرحلة مع "حزب الله" الذي أصبح رأس المقاومة وحرّر الأرض عام 2000، وتصدّى للعدوان الإسرائيلي عام 2006، وساند غزة في 2023، وقبل بوقف إطلاق النار نهاية تشرين الثاني 2024، وفتح الجبهة في الثامن من تشرين الأول الحالي مساندة لإيران بعد اغتيال مرشدها علي الخامنئي، وللرد على الاعتداءات والاغتيالات الإسرائيلية التي صبر عليها 15 شهرًا. وبدأت الحرب الإسرائيلية الواسعة والمدمرة، والهدف هذه المرة اجتثاث "حزب الله" نهائيًّا وتدمير وجوده المسلح كـ"ذراع إيرانية".
وتحت ضغط الحرب الإسرائيلية والضغوط الأميركية، صنّفت الحكومة التي يشارك فيها "حزب الله" مقاومته بأنها غير شرعية كما كان يحصل في حكومات سابقة، ودخل لبنان مرحلة الثمانينات بطرح رئيس الجمهورية مبادرة المفاوضات المباشرة وصولًا إلى السلام، وهو موضوع دقيق.

