ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في ظلّ التصعيد الإقليمي غير المسبوق منذ سنوات، عاد ملف الكهرباء في لبنان ليقف في قلب العاصفة الاقتصادية، لكن هذه المرة ليس فقط بسبب عجز الدولة المزمن عن تأمين التيار، بل نتيجة التحولات العنيفة التي تضرب سوق الطاقة العالميةّ منذ أيام، بعد ارتفاع أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز وتراجع إنتاج عدد من الدول الخليجيّة بشكل ملحوظ، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط على فاتورة الطاقة في بلد يعتمد بالكامل تقريباً على الاستيراد لتأمين الكهرباء والمحروقات.
فمنذ مطلع الأسبوع، دخلت الأسواق النفطية العالمية مرحلة من الاضطراب الحاد، بعدما تسببت التطورات العسكرية في المنطقة بتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. هذا التطور دفع بأسعار النفط إلى الارتفاع السريع وسط مخاوف من نقص الإمدادات، خصوصاً مع إعلان عدد من دول الخليج خفض إنتاجها النفطي بنحو الثلث، أي ما يقارب 6.7 مليون برميل يومياً، في خطوة مرتبطة بتداعيات الأزمة الأمنيّة وصعوبات النقل والتصدير في المنطقة.
هذه المعادلة الجديدة في سوق الطاقة العالمية لا تبدو بعيدة عن لبنان. فكل ارتفاع في أسعار النفط ينعكس مباشرة على سعر المازوت المستورد، وهو الوقود الأساسي الذي يشغّل آلاف المولدات الخاصة المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، والتي تحولت عملياً خلال السنوات الماضية إلى المصدر الرئيسي للكهرباء في البلاد، في ظل محدودية إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان وعدم قدرتها على تأمين تغذية مستقرة.
مصادر متابعة لقطاع الطاقة تؤكد لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "انعكاسات ارتفاع أسعار النفط بدأت تظهر تدريجياً في السوق المحلية، إذ يرتبط تسعير المازوت في لبنان مباشرة بحركة الأسعار العالمية وسعر صرف الدولار، ما يعني أن أي ارتفاع جديد في البرميل سيترجم تلقائياً بزيادة إضافية في كلفة تشغيل المولدات الخاصة." وتشير المصادر إلى أن فاتورة الاشتراكات قد تشهد موجة ارتفاع جديدة إذا استمرت الأزمة الإقليمية الحالية، خصوصاً أن لبنان لا يملك أي مخزون استراتيجي فعلي من الوقود يسمح له بتخفيف تأثير الصدمات العالمية.
في المقابل، يعيش قطاع الكهرباء الرسمي في لبنان مرحلة هشّة، إذ ما تزال معامل الإنتاج تعمل بقدرات محدودة، فيما تعتمد المؤسسة بشكل شبه كامل على الفيول المستورد لتشغيل المعامل. ومع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ترتفع تلقائياً كلفة إنتاج الكهرباء الرسمية أيضاً، ما يضع الدولة أمام معادلة ماليّة صعبة بين الحفاظ على التعرفة الحالية أو تحميل المواطنين زيادات إضافية في الفواتير. الواقع أن اللبنانيين يعيشون منذ سنوات على نظام كهربائي مزدوج: ساعات محدودة من كهرباء الدولة، يقابلها اعتماد شبه كامل على المولدات الخاصة التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والاقتصاد المحلي. إلا أن هذا النموذج نفسه أصبح أكثر هشاشة مع أي اضطراب في سوق النفط العالمي، لأن كلفة الطاقة في لبنان مرتبطة بالكامل بالأسعار الدولية وبسعر صرف الدولار.
مصادر اقتصادية رفيعة تؤكد لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "استمرار التوتر في المنطقة، سواء عبر إغلاق مضيق هرمز أو استمرار خفض الإنتاج النفطي الخليجي، قد يقود إلى موجة تضخم طاقوي جديدة تضرب دول الشرق الأوسط المستوردة للوقود، وفي مقدمتها لبنان. فارتفاع أسعار النفط لا ينعكس فقط على الكهرباء، بل يمتد إلى النقل والصناعة وأسعار السلع الأساسية، ما قد يضيف ضغوطاً إضافية على اقتصاد يعاني أصلاً من واحدة من أعنف الأزمات المالية في تاريخه".
وفي بلدٍ باتت فيه الكهرباء مرادفاً للأزمة الاقتصادية، يبدو أن التطورات الإقليمية الأخيرة أعادت رسم المشهد من جديد. فبين ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وتعقيدات المشهد السياسي في المنطقة، يقف لبنان مجدداً أمام معادلة قاسية: طاقة مستوردة بالكامل، واقتصاد هش، ومواطن يدفع ثمن كل صدمة تقع خارج حدوده.

