طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
يمرّ لبنان في مرحلة شديدة الحساسية في ظل تقاطع المبادرات الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية معقدة، حيث تتداخل الحرب الدائرة في المنطقة مع الساحة اللبنانية بشكل مباشر.
وفي قلب هذا المشهد برزت مبادرة رئيس الجمهورية جوزف عون الداعية إلى فتح باب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مقابل تمسّك رئيس مجلس النواب نبيه بري بشرط أساسي يتمثل في وقف إطلاق النار وعودة النازحين أولاً قبل أي مسار تفاوضي. وبين هذين الموقفين، تبدو إسرائيل مترددة بين القبول والرفض، فيما تؤكد إيران أن أي تسوية تنهي المواجهة الأميركية-الإسرائيلية معها يجب أن تشمل الساحة اللبنانية.
هذا التباين في المقاربات يعكس في جوهره نزاعاً بين منطقين: منطق يسعى إلى احتواء التصعيد عبر قنوات سياسية، ومنطق آخر يرى أن أي تفاوض قبل تثبيت وقف النار قد يتحول إلى أداة ضغط على لبنان بدل أن يكون مدخلاً إلى حل حقيقي.
وحسب مصادر دبلوماسية، يمكن قراءة مبادرة عون على أنها محاولة لفتح نافذة دبلوماسية تمنع انزلاق البلاد إلى حرب أوسع، خصوصاً في ظل إدراك متزايد لدى المؤسسات اللبنانية بأن استمرار المواجهات سيؤدي إلى إنهاك اقتصادي وأمني لا قدرة للبنان على تحمله. غير أن هذه المبادرة تصطدم بمعادلة داخلية وإقليمية معقدة، إذ إن قرار الحرب والسلم في الجنوب لم يعد محصوراً بالساحة اللبنانية وحدها، بل بات مرتبطاً بمسار المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية.
وفي المقابل، يعكس موقف بري قراءة مختلفة للمشهد، تقوم على أن التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية سيفقد لبنان أوراق قوته، ويضعه تحت ضغط عسكري وسياسي متواصل. لذلك يصرّ على تثبيت وقف إطلاق النار كشرط أولي يضمن توازناً نسبياً على طاولة المفاوضات.
أما إسرائيل، فتبدو حتى الآن عالقة بين خيارين متناقضين:
القبول بتسوية تقلّص احتمالات الحرب الشاملة، أو مواصلة الضغط العسكري أملاً في فرض معادلة أمنية جديدة على الحدود اللبنانية. غير أن تذبذب الموقف الإسرائيلي يعكس أيضاً حسابات داخلية وضغوطاً دولية، فضلاً عن القلق من توسع المواجهة إلى جبهات متعددة.
على أن العامل الأكثر تأثيراً في هذا المشهد يبقى الموقف الإيراني. فطهران تؤكد بوضوح أن أي اتفاق ينهي المواجهة مع واشنطن وتل أبيب لا يمكن أن يتجاهل لبنان، ما يعني عملياً أن الساحة اللبنانية باتت جزءاً من معادلة التفاوض الإقليمي. وهذا الربط يضع لبنان في قلب النزاع الجيوسياسي الدائر، ويحدّ من قدرة القوى المحلية على الفصل بين الداخل اللبناني والتوازنات الإقليمية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الأحداث:
ـ السيناريو الأول يتمثل في التوصل إلى تهدئة مرحلية برعاية دولية تسمح بوقف النار وفتح مسار تفاوضي تدريجي.
ـ السيناريو الثاني يقوم على استمرار حالة "الحرب المضبوطة"، حيث تتواصل الاشتباكات المحدودة دون انزلاق إلى مواجهة شاملة.
ـ السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، يتمثل في احتمال توسع الحرب الإقليمية بحيث تتحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة مواجهة مباشرة ضمن النزاع الإيراني-الإسرائيلي.
في ضوء كل هذه المعطيات، يبدو لبنان اليوم واقفاً على خط تماس بين الدبلوماسية والتصعيد. فالمبادرات الداخلية، مهما بلغت أهميتها، تبقى رهينة التفاهمات الكبرى التي تُطبخ خارج حدوده. وبين مبادرة عون واشتراطات بري وتردد إسرائيل وتشدد إيران، يبقى مستقبل الوضع اللبناني معلقاً على مسار النزاع الإقليمي الأوسع، حيث قد تحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كان لبنان متجهاً نحو تسوية هشة أو نحو مرحلة أكثر خطورة من المواجهة.

