طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
توحي المواقف والتطورات الجارية لبنانياً وإقليمياً ودولياً أن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ومعها المواجهة المفتوحة مع "حزب الله" في لبنان، مرحلة شديدة التعقيد، حيث يتزايد التناقض بين الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية الفعلية.
فبعد أسابيع من التصعيد العسكري غير المسبوق، تبدو ملامح "حرب بلا حسم" أكثر وضوحاً، في ظل عجز واضح عن تحقيق الأهداف الكبرى التي رُفعت منذ اللحظة الأولى، وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني وإنهاء دور حزب الله عسكرياً في لبنان.
فمنذ نشوب الحرب أواخر شباط الماضي عبر هجوم أميركي ـ إسرائيلي واسع استهدف مئات المواقع داخل إيران واغتال رأس النظام المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، بدا أن الرهان يتجاوز مجرد توجيه ضربة عسكرية إلى محاولة إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني. غير أن هذا الهدف سرعان ما اصطدم بواقع ميداني وسياسي معقّد، إذ لم تؤد الضربات، بالرغم من كثافتها، إلى انهيار النظام، بل على العكس، ساهمت في إعادة ترتيب تماسكه الداخلي وتعزيز دور الحرس الثوري الإيراني، ما مكن إيران من استعادة زمام المبادرة والتحكم بمسار الحرب وفرض شروط صعبة لوقفها، خصوصا بعد إدخال ورقة إغلاق مضيق هرمز في الحرب لما يشكّله من شريان حيوي على مستوى الاقتصاد العالمي.
في المقابل، لم تنجح الضربات الجوية الكثيفة في تحييد القدرات الإيرانية، حيث أظهرت طهران قدرة على مواصلة الرد عبر موجات متتالية من الصواريخ المتعددة الأنواع، بل وتطوير تكتيكات هجومية أكثر تعقيداً، مثل استخدام الصواريخ الانشطارية التي أربكت الدفاعات الإسرائيلية وألحقت أضراراً مباشرة في العمق الإسرائيلي، في ظل تهديد باستخدام اسلحة متطورة وأكثر فتكاً لم يُكشف عنها بعد في الترسانة الصاروخية الإيرانية.
أما على الجبهة اللبنانية، فقد تحولت الحرب إلى ما يشبه "حرب استنزاف مفتوحة". فحزب الله، رغم الخسائر والضغط العسكري الكبير، لم يُهزم أو يُقصَ من المعادلة، بل انخرط في مواجهة واسعة، شملت إطلاق صواريخ يومية وفتح جبهة الجنوب، بالتوازي مع عمليات برية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول مدى واقعية الهدف الإسرائيلي ـ الأميركي المتمثل في "إنهاء حزب الله"، في ظل تجربة تاريخية تثبت صعوبة القضاء على تنظيمات غير تقليدية تمتلك بنية لامركزية وعمقاً اجتماعياً.
في ضوء هذه المعطيات، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على مراجعة أميركية للمسار، ليس من موقع القوة بل من موقع الإحراج السياسي والاستنزاف العسكري؛ فالإدارة الأميركية، التي دخلت الحرب بسقف مرتفع من التوقعات، تجد نفسها اليوم أمام ضغط داخلي وخارجي متزايد، يدفعها للبحث عن مخرج سريع يجنّبها التورط في حرب طويلة ومكلفة، خصوصاً مع غياب إنجاز ملموس يمكن تسويقه سياسياً.
هذا التوجه تجسّد في تسريبات عن مبادرات أميركية لوقف إطلاق النار، من بينها خطة متعددة البنود تتضمن هدنة مؤقتة وفتح مسار تفاوضي، في محاولة لاحتواء التصعيد وشراء الوقت لإعادة ترتيب الأوراق.
غير أن هذه المبادرات تصطدم بشروط إيرانية مرتفعة، منها خروج الأميركيين من غرب آسيا ودفع التعويضات الكاملة لإيران ورفع العقوبات كليا عنها وإطلاق حرية تجارة كامل، ووضع قانون إبحار جديد في مضيق هرمز، وضمان وقف الحرب كليا في المنطقة، كذلك تشمل الشروط وقف الحرب على حزب الله في لبنان، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق سريع أمراً بالغ الصعوبة.
في موازاة ذلك، تبرز مؤشرات على تباين متزايد بين واشنطن وتل أبيب في مقاربة نهاية الحرب؛ فبينما تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى التهدئة والخروج التدريجي، لا تزال إسرائيل تتبنى مقاربة أكثر تشدداً، قائمة على استمرار الضربات حتى بعد أي اتفاق محتمل، بهدف منع إيران من إعادة بناء قدراتها.
وهذا التباين يعكس اختلافاً في حسابات الكلفة والربح: واشنطن تبحث عن تقليل الخسائر والخروج السياسي، فيما تسعى تل أبيب إلى تحقيق "إنجاز أمني طويل الأمد" حتى لو تطلب ذلك إطالة أمد المواجهة، لكن الإشكالية الأساسية تكمن في أن كلا الطرفين لم ينجح حتى الآن في تحقيق أهدافه الاستراتيجية؛ فالنظام الإيراني لم يسقط، بل أظهر قدرة على الصمود والتكيّف، وحزب الله لم يُهزم، بل لا يزال فاعلاً في الميدان، أما الردع الذي سعت إسرائيل إلى ترسيخه، فقد تعرّض لاختبار قاسٍ مع استمرار الضربات الصاروخية داخل عمقها.
وفي المقابل، لا يمكن القول إن إيران وحلفاءها حققوا "انتصاراً حاسماً"، إذ تكبّدوا خسائر كبيرة على مستوى البنية القيادية العسكرية الكبرى، كما يواجهون ضغوطاً اقتصادية وسياسية متزايدة، لكنهم، في الحد الأدنى، نجحوا في منع خصومهم من تحقيق أهدافهم الكبرى، وهو ما يكفي لإبقاء النزاع مفتوحاً.
وأمام هذا المشهد، تبدو كل الطروحات المتعلقة بوقف الحرب محكومة بمعادلة معقدة: لا أحد قادر على الحسم، ولا أحد مستعد لتقديم التنازلات المطلوبة لإنهاء النزاع، وهو ما يعني أن أي اتفاق محتمل، إن حصل، لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة، تؤجل الانفجار بدلاً من أن تنهيه.
وفي أي حال تكشف هذه الحرب حدود القوة العسكرية في حسم النزاعات المركّبة في الشرق الأوسط. كما تبرز مأزقاً مزدوجاً: إدارة أميركية تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، وإسرائيل التي تخشى أن يتحول أي توقف للحرب إلى اعتراف ضمني بالفشل. وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين تسوية هشة وحرب أطول، في مشهد يعكس حقيقة واحدة: الأهداف الكبرى كانت أكبر من القدرة على تحقيقها.

