محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
في لحظة يُفترض أن يسيطر عليها وقف إطلاق النار، يتصرّف الإسرائيلي كما لو أنّ الهدنة هي بداية مرحلة ضغط جديدة ولكن مختلفة الأدوات.
الخروقات المتكرّرة، والاستهدافات الموضعية، والاغتيالات وتهديد القرى بالكامل، ورسائل النار المحدودة، هي بالنسبة للعدو الإسرائيلي جزء من سلوك عدواني يريد من خلاله تثبيت معادلة جديدة على أرض الواقع، ويريد أن يقول إن هدنة ترامب بلا استقرار، ووقف إطلاق النار المتفق عليه أميركياً إيرانياً بلا جدوى، وأن التفاوض مع السلطة سيكون تحت النار. وبالتالي، يحاول الإسرائيلي أن يقول للبنان، وللمقاومة تحديداً، إن ما عجز عنه في الميدان يمكن تحقيقه في ظل هدنة مفترضة واستنزاف مستمر.
ترى مصادر سياسية أنه في جوهر هذا السلوك، يسعى الإسرائيلي إلى تحويل وقف إطلاق النار إلى أداة ضغط مستمر، مشيرة عبر "الأفضل" إلى أن الفكرة بسيطة، وهي إبقاء الجبهة في حالة توتر دائم، بحيث تبقى المقاومة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الرد والدخول في تصعيد قد لا تريده في هذه المرحلة، أو الصمت بما يفتح الباب أمام تآكل صورة الردع مجدداً. وبين هذين الخيارين، يحاول الإسرائيلي أن يصنع سياسة جديدة يستنزف فيها الخصم من دون أن يدفع كلفة حرب شاملة سياسياً وعسكرياً، وهو ما ستسعى المقاومة لإفشاله.
الضغط، بحسب المصادر، لا يقتصر على البعد العسكري، إذ ثمة محاولة واضحة لدفع البيئة اللبنانية، سياسياً واجتماعياً، إلى الشعور بأن الهدوء لن يأتي إلا بشروط إسرائيلية واضحة. فهذه الخروقات يُراد لها أن تتحول إلى عامل ضغط داخلي، إلى جانب الضغط السياسي الأميركي على السلطة اللبنانية بمسار التفاوض المباشر مع العدو، إذ ترى المصادر أن ما يسري اليوم هو فقط اتفاق إيران وأميركا الأول بتحييد بيروت والضاحية، بينما السلطة لم تحقق شيئاً من مسارها بعد.
في المقابل، لا تبدو المقاومة في موقع المتلقّي فقط، فهي أيضاً ترسم ردودها ضمن معادلة لا تسمح بتكريس خرق دائم للقواعد، ولا تنجرّ إلى توقيت يفرضه الخصم بالتصعيد. وتعتبر المصادر أن هذا النوع من الاشتباك ليس جديداً في تاريخ الصراع، لكنه اليوم أكثر تعقيداً بسبب تشابك الساحات وتداخل الرسائل.
أما بالنسبة للسيناريوهات، فهي تبقى مفتوحة وتدور حول ثلاثة مسارات أساسية. الأول هو استمرار هذا النمط من الخروقات، بما يحوّل الهدنة إلى حالة "لا حرب ولا سلم"، حيث يبقى التوتر قائماً من دون انفجار كبير، وهذا السيناريو يخدم الإسرائيلي إذا نجح في إطالة أمده، لأنه يراكم ضغطاً تدريجياً على الداخل اللبناني. أما السيناريو الثاني فهو انزلاق تدريجي نحو تصعيد أوسع نتيجة تراكم الخروقات أو حصول حادث نوعي. في هذا المسار، قد تجد الأطراف نفسها أمام جولة جديدة، ليس بالضرورة بحجم الحرب الشاملة، لكنها كافية لإعادة خلط الأوراق، وهذا أمر مرجّح. بينما السيناريو الثالث، فهو تثبيت قواعد اشتباك جديدة غير معلنة عبر هذا الضغط المتبادل، بمعنى أن تتحول الخروقات والردود المحدودة إلى لغة يومية، وهذا ما لا يمكن أن يستمر طويلاً.

