عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
بينما كانت المفاوضات تدور في واشنطن بين لبنان الرسمي والكيان الإسرائيلي، واصلت قوات الاحتلال اعتداءاتها على الجنوب، وصولًا إلى تخوم بيروت حيث استهدفت إحدى المسيّرات المعادية سيارة في منطقة الناعمة.
وهكذا يبدو واضحًا أن تل أبيب تحاول، في الوقت السياسي الضائع، الاستفادة من معادلة "تحييد الضاحية في مقابل تحييد المستوطنات" حتى أقصى الحدود الممكنة، بمعنى أن تستمر في تنفيذ الهجمات على الجنوب ومناطق لبنانية أخرى، وهي تفترض أن حزب الله لن يقصف شمال فلسطين المحتلة تطبيقًا لمقتضيات تلك المعادلة.
لكن المؤشرات كلها تفيد بأن الحزب لن يصبر كثيرًا على هذا الواقع غير السوي، وهو أعطى المسعى الدبلوماسي فرصة محدودة لتصحيح الخلل وتعميم وقف النار حتى يشمل كل الأراضي اللبنانية بلا استثناء، من دون إعطاء العدو الإسرائيلي أي نوع من أنواع حرية الحركة، كتلك التي كان يحظى بها بعد التوصل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، خصوصًا أن الحزب انخرط أصلًا في الحرب الحالية لإنهاء الاستنزاف الذي تعرض له على امتداد خمسة عشر شهرًا التزم خلالها بعدم إطلاق رصاصة واحدة على الجانب الإسرائيلي، وبالتالي فإنه لن يقبل مجددًا بأي وقف مبتور لإطلاق النار يعيد الأمور إلى مرحلة ما قبل 2 آذار، تاريخ إطلاقه معركة العصف المأكول.
وغالب الظن أن الحزب سيعود إلى قصف المستوطنات الشمالية إذا لم يشمل وقف النار كل لبنان، لأنه لن يسمح بتكبيله بينما يتمادى الاحتلال في اعتداءاته، لا سيما أن الحزب يعلم أن أكثر ما يؤلم الكيان الإسرائيلي ويزعجه هو استهداف شمال فلسطين المحتلة وإبقاء المستوطنات في وضع غير مستقر، وهو يعلم أن إحدى أهم أوراقه القوية تكمن في استنزاف الحياة اليومية للمستوطنين، وصولًا إلى دفعهم عاجلًا أم آجلًا نحو الضغط على قيادتهم السياسية للخروج من لبنان.
ولذلك لن يوافق الحزب على التفريط بهذه الورقة والرضوخ لقواعد الاشتباك الجديدة التي يحاول نتنياهو فرضها، وبالتالي فهو سينتظر قليلًا لتعديل مفهوم وقف النار وتوسيع نطاقه، وإلّا سيعود على الأرجح إلى توجيه مسيّراته وصواريخه نحو المستوطنات، خصوصًا إذا واصل جيش الاحتلال الإمعان في اعتداءاته.
من هنا، فإن الكرة موجودة الآن في الملعب الأميركي لاختبار حقيقة موقف دونالد ترامب وما إذا كان مستعدًّا للضغط على نتنياهو من أجل إجباره على التقيّد بوقف شامل لإطلاق النار في لبنان، وبالتالي إعطاء إنجاز ما للسلطة اللبنانية التي لم تنفك تطالب منذ بدء التفاوض بتثبيت وقف إطلاق النار من دون أن تلقى تجاوبًا.
واللافت أن ترامب صرّح لصحيفة نيويورك بوست أنه أجرى محادثة غاضبة مع نتنياهو، وأنه منزعج من قتاله المستمر مع لبنان، فهل هذا الموقف قابل للترجمة إلى ضغط حقيقي للجم رئيس وزراء العدو، أم أنه يندرج في سياق تصريحات ترامب المتقلبة ولا يمكن الركون إليها في ظل ثابتة وحيدة للإدارة الأميركية، وهي أولوية التحالف الاستراتيجي مع تل أبيب؟
وإذا أراد ترامب، من باب الفرضية السياسية، إنهاء الحرب في لبنان، فهل سينتظر إبرام اتفاق الإطار مع إيران حتى تسري مفاعيله على لبنان، أم أنه قد يبيع التهدئة الشاملة للسلطة اللبنانية في إطار محاولة الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني؟
لا بد من الانتظار قليلًا لمعرفة اتجاه الرياح.

