ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
لا يُنظر إلى وصول الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد إلى بيروت في الأيام المقبلة باعتباره زيارة عسكرية اعتيادية، بل باعتباره إيذاناً بانتقال ملف الجنوب من مرحلة التفاهمات السياسية إلى اختبار التنفيذ الميداني. فالرجل الذي سيبقى في لبنان للإشراف على المرحلة الأولى من مشروع "المناطق النموذجية"، يصل في لحظة دقيقة تتداخل فيها الضغوط الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية، فيما لا تزال الدولة اللبنانية تحاول تأمين توافق داخلي يسمح بإطلاق أولى مراحل الخطة.
وتكشف معلومات خاصة لـ"الافضل نيوز" أن الجيش اللبناني أنهى عملياً جميع الاستعدادات المطلوبة، وأصبح جاهزاً لتنفيذ المرحلة الأولى فور صدور القرار السياسي من مجلس الوزراء. وقد أعدت قيادة الجيش الخرائط، وحددت الوحدات والألوية المكلفة بالمهمة، وكلفت الضباط الذين سيتولون التنفيذ، كما أنجزت آلية العمل والجدول الزمني للمراحل اللاحقة، ما يجعل العائق الوحيد أمام الانطلاق سياسياً لا عسكرياً.
وبحسب المصادر، فإن الجيش لم يكتف بإعداد الخطة، بل أنشأ أيضاً خلية ارتباط تتولى التنسيق مع الجانب الأميركي، وتضم قيادة قطاع جنوب الليطاني، والألوية والأفواج المنتشرة في المنطقة، ومخابرات الجنوب، والفرع الاستراتيجي في مديرية المخابرات، على أن تعمل جميعها تحت إشراف مديرية العمليات برئاسة العميد جورج رزق الله، فيما يقود العميد نقولا ثابت التنسيق الميداني مع الجانب الأميركي.
غير أن الجهوزية العسكرية لا تعني أن ساعة التنفيذ قد حانت. فالمعلومات تشير إلى أن الاتصالات مع حزب الله لم تصل بعد إلى تفاهم يسمح بإطلاق المرحلة الأولى، ما يجعل القرار السياسي المؤجل العقدة الأساسية في هذا المسار. وبالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، فإن أي تحرك يبقى مرتبطاً حصراً بتكليف رسمي من مجلس الوزراء، انسجاماً مع التزام الجيش تنفيذ قرارات السلطة السياسية.
في المقابل، ترى مصادر متابعة أن إسرائيل، رغم موافقتها على بدء تنفيذ المرحلة الأولى تحت ضغط أميركي، تحاول الاحتفاظ بأوراق ضغطها حتى اللحظة الأخيرة. فهي تواصل خرق وقف الأعمال العدائية، وتلوح بعدم استكمال الانسحاب من الجنوب، بالتزامن مع حملات سياسية وإعلامية تهدف إلى التشكيك بمسار التنفيذ وفرض شروط إضافية قبل الانتقال إلى المراحل التالية.
ما يجري اليوم يتجاوز حدود إطلاق مشروع "المناطق النموذجية". فهو يشكل أول اختبار سياسي وأمني لاتفاق الإطار منذ توقيعه، وأول امتحان لقدرة الدولة اللبنانية على ترجمة تعهداتها، كما يمثل اختباراً موازياً لمدى استعداد إسرائيل للالتزام بموجبات الاتفاق، بعدما اعتادت توظيف الضغوط العسكرية لتحسين شروطها السياسية. وبين هذين المسارين، يبقى الجنوب معلقاً على توازن دقيق، قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة إذا نجح التنفيذ، أو يعيد المنطقة إلى دوامة التصعيد إذا سقط أول اختبار قبل أن يبدأ.

