ندى أندراوس _خاص الأفضل نيوز
تتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى محطتين خارجيتين مهمتين ً في مسار الأزمة اللبنانية منذ وقف إطلاق النار. الأولى في روما، حيث تستضيف السفارة الأميركية يومي 14 و15 تموز جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة، والثانية في واشنطن، حيث يلتقي رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 21 تموز، في زيارة تصر الإدارة الأميركية على إبقائها في موعدها مهما طرأت من تطورات ميدانية أو سياسية.
هذا الإصرار الأميركي لم يكن مجرد رسالة دبلوماسية، بل أُبلغ رسمياً إلى رئيس الجمهورية، بالتزامن مع وصول وفد لبناني إلى واشنطن لاستكمال الترتيبات الخاصة بالزيارة. ويعكس ذلك رغبة أميركية واضحة في تثبيت مسار التواصل مع الدولة اللبنانية وعدم السماح للتطورات الأمنية بتعطيل أجندتها.
هذان الاستحقاقان كانا أيضاً محور الحركة الدبلوماسية التي قادها السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى خلال جولته على قصر بعبدا وعين التينة والسرايا الحكومية، في مؤشر إلى أن واشنطن تتعامل مع موعدي روما وواشنطن باعتبارهما جزءاً من مسار سياسي واحد، يهدف إلى خفض مستوى التوتر وفتح نافذة أمام تسويات تدريجية.
أما في روما، فتنعقد المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بمعزل عن الجدل القائم حول بدء تطبيق مشروع "المناطق النموذجية" في جنوب لبنان. ورغم أن تنفيذ هذا المشروع يرتبط عملياً بوصول الفريق الأميركي برئاسة الجنرال جوزف كليرفيلد إلى بيروت خلال الأيام المقبلة، فإن مصادر مواكبة تشير إلى أن الربط بين انطلاق المشروع وانعقاد مفاوضات روما لا يزال موضع أخذ ورد، بما يعكس استمرار التباين حول آليات الانتقال إلى المرحلة التالية من تنفيذ التفاهمات.
وفي موازاة هذا الحراك، لم يكن توقيت الزيارة الإيرانية إلى بيروت منفصلاً عن الزخم الأميركي. فقبيل مفاوضات روما وقمة واشنطن، أرادت طهران أن تعيد تأكيد حضورها السياسي في لبنان، في رسالة مفادها أنها لا تزال لاعباً أساسياً في رسم مستقبل المشهد اللبناني، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية، ولا سيما تلك المتعلقة بجنوب لبنان، لا يمكن أن تُبنى من دون أخذ مصالحها وحلفائها في الاعتبار.
وتوحي الزيارة بأن إيران تسعى إلى تثبيت موقعها في أي مسار تفاوضي مقبل، ولو بصورة غير مباشرة، في مواجهة اندفاعة أميركية تقود مرحلة جديدة من الاتصالات. فهي تريد التأكيد أن نفوذها في لبنان لا يزال قائماً، وأنها معنية بكل ما يُبحث، سواء تعلق بتنفيذ وقف إطلاق النار، أو بالترتيبات الأمنية، أو بمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل. وبهذا المعنى، بدت الزيارة محاولة استباقية لمنع تكريس انطباع بأن واشنطن باتت صاحبة اليد العليا في إدارة الملف اللبناني، وتأكيد أن أي تسوية قابلة للحياة ستظل، من وجهة نظرها، بحاجة إلى مراعاة التوازنات الإقليمية التي تمثل إيران أحد أبرز أطرافها.
في المحصلة، يبدو لبنان اليوم في قلب شد حبال إقليمي ودولي. واشنطن تدفع باتجاه مسار تفاوضي يهدف إلى تثبيت الاستقرار وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية، فيما تسعى طهران إلى تثبيت حضورها في أي معادلة مقبلة، بما يمنع تجاوز دورها أو دور حلفائها في رسم مستقبل المرحلة المقبلة.
أما زيارة الرئيس عون إلى واشنطن، فرغم أهميتها السياسية والرمزية، فمن غير المتوقع أن تحمل حلولاً سريعة أو اتفاقات حاسمة. فالملفات اللبنانية الأكثر تعقيداً، من الحدود إلى السلاح والضمانات الأمنية، لا تزال مرتبطة بتوازنات إقليمية تتجاوز قدرة أي زيارة منفردة على حسمها.
وبين روما وواشنطن، يبقى اللبنانيون يترقبون بارقة أمل في بلد يعيش هدنة غير مكتملة: سلام يتقدم بخطوات مترددة، وحرب لم تنتهِ تماماً، فيما تظل الأسئلة الكبرى معلقة بانتظار ما ستنتجه الأيام المقبلة، لا ما ستعلنه البيانات الرسمية.

