طارق الحجيري - خاص الأفضل نيوز
الإشكال الذي افتعله وزير الدفاع ميشال منسى على هامش جلسة إقرار قانون العفو العام، لم يهضمه الشارع السني بعد، ولا تزال ذيوله تتفاعل، إذ رأى فيه كثيرون محاولة لحشره في مواجهة سياسية مع الجيش اللبناني، عبر تكريس نظرية تقول إن "استنهاض الحضور السياسي السني لا يمكن أن يتم إلا على حساب المؤسسة العسكرية". وهذه قراءة خطيرة ومسيئة للنسيج الوطني، لأن العلاقة بين اللبنانيين السُّنّة والجيش ليست علاقة خصومة، بل علاقة انتماء وشراكة وتضحيات.
تكامل لا تناقض
فالجيش في الوعي السني العام ووجدانه، ليس خصمًا ولا مؤسسة غريبة عن بيئتهم. وأعداد شهداء الجيش والمؤسسات الأمنية من أبناء المناطق والبلدات السنية، وتضحياتهم في الدفاع عن بلدهم، أكبر برهان على هذه الحقيقة.
لذلك من الضروري الفصل بين الاعتراض السياسي المشروع واستهداف المؤسسة العسكرية، وبين المطالبة بالعدالة والإنصاف وأي خطاب يمكن أن يدفع نحو الفوضى أو المواجهة.
من هنا، لا يشكل استنهاض الشارع السني دعوة إلى الانكفاء عن الدولة أو مواجهتها، بل فرصة لتأكيد العلاقة معها وتمتينها على قاعدة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، ورفض الإقصاء.
ظروف مغايرة
يدرك اللبنانيون جميعًا حجم التحولات والتبدلات العميقة التي شهدها لبنان والإقليم، بدءًا من غزة وسقوط النظام السوري، وصولًا إلى اتفاق مكة وما يحمله من دلالات ومقاربات جديدة، وهي تحولات تفرض على لبنان قراءة المرحلة بعقل مختلف، وبناء علاقات جديدة تتناسب مع الواقع المستجد.
لذلك، فإن محاولات بعض القوى السياسية، كما شهدنا في مجلس النواب، التعامل مع المتغيرات بسياسة النعامة ودفن الرؤوس في الرمال، لن تكون مجدية، بل تحمل أخطارًا ومحاذير وطنية وأمنية. والمطلوب الكف عن السياسات السابقة القائمة على الاستقواء أو التعرض لمواقع ورموز المكون السني.
فرصة مؤاتية
إقرار قانون العفو العام، بما يحمله من عدالة متأخرة ورفع للمظلومية التي تعرض لها أبناء من البيئة السنية خلال العقود الماضية، يجب أن يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة والشراكة الوطنية، ضمن رؤية متكاملة للعدالة والإنصاف وحماية الاستقرار.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى شوارع قلقة، بل إلى دولة واثقة وقوية، وإلى جيش يحظى بإجماع اللبنانيين، لا أن يُزج به في صراعاتهم.
وإذا كان الشارع السني يستنهض نفسه اليوم، فإن الوجه الطبيعي لاستنهاضه هو التمسك بالدولة، لا الابتعاد عنها، والمطالبة بالحقوق عبر المؤسسات، لا من خلال هدمها.
هكذا فقط يمكن فتح صفحة لبنانية جديدة، عنوانها الأمن والأمان، والعدالة والشراكة، ودولة واحدة تتسع لجميع أبنائها.

