ندى أندراوس_خاص الأفضل نيوز
لم تُنتج جولة روما الاختراق الذي كان يريده لبنان، لكنها لم تقفل باب التفاوض. وبين الجمود السياسي والتقدم التقني والعسكري، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تنذر النتائج السلبية بتصعيد ميداني جديد، أم أن ما جرى يؤسس لجولة أكثر حسماً في الأول من أيلول؟
بحسب ما كشفت مصادر دبلوماسية وعسكرية متابعة للمفاوضات لـ«الأفضل نيوز»، بقيت العقدة الأساسية عند تثبيت وقف إطلاق النار وملف المناطق النموذجية. فالوفد اللبناني أصر على مطلب تثبيت وقف إطلاق النار، كما الانتقال إلى منطقة جديدة، بينما رفضت إسرائيل صراحة وقف عدوانها، وتمسكت باستكمال عملية التحقق في المنطقتين النموذجيتين الأوليين قبل أي خطوة إضافية.
وهنا تحديداً تكمن الخلفية السياسية للخلاف. فلبنان يريد تكريس مسار متدرج يقوم على أن يقابل كل تقدم لبناني خطوة إسرائيلية، بما يحول دون أن تتحول المناطق النموذجية إلى آلية مفتوحة لاختبار أداء الجيش من دون مقابل سياسي أو ميداني. أما إسرائيل، فتريد الاحتفاظ بمرحلة التحقق شرطاً سابقاً لأي انسحاب أو انتقال، بما يمنحها عملياً حق تقييم التنفيذ قبل دفع أي ثمن من جانبها.
ويزيد من حساسية هذا التباين أن الوفد اللبناني لم يتمكن من انتزاع موافقة إسرائيلية على مطلبه السياسي الأبرز: وقف شامل للأعمال العدائية، بما فيها عمليات التفجير. وهذه النقطة قد تكون الأخطر في نتائج روما، لأنها تعني أن المفاوضات ستستمر، في الوقت الراهن، من دون مظلة تهدئة كاملة.
سياسياً، يضع ذلك لبنان أمام معادلة صعبة: الاستمرار في التفاوض فيما يبقى الضغط العسكري الإسرائيلي قائماً. ومن هنا، لا تستبعد المصادر أن تستخدم إسرائيل الميدان خلال الأسابيع المقبلة لتحسين شروطها التفاوضية، من خلال إبقاء الضربات والتوغلات والضغط الناري ورقة ملازمة للمفاوضات، من دون الانزلاق بالضرورة إلى حرب واسعة.
لكن في المقابل، لا توحي نتائج روما بأن قراراً بإسقاط المسار الدبلوماسي قد اتُخذ. فقد حُدد موعد أولي لجولة جديدة في الأول من أيلول، وتعهد الجانب الأميركي بمتابعة ملفي الأسرى والحدود مع الطرفين خلال الفترة الفاصلة. إلا أن الدور الأميركي، حتى الآن، يبدو أقرب إلى حماية استمرار المفاوضات منه إلى فرض تسوية على الطرفين.
واللافت أن التقدم الفعلي تحقق في المستوى العسكري والتقني. فقد أُنجز البحث في المفاهيم والمصطلحات المرجعية بالكامل، كما تم مسح المنطقة المحتلة على الخرائط تمهيداً لوضع تسلسل للمناطق النموذجية، فيما سيعود الوفد الإسرائيلي إلى المستوى السياسي لحسم موقفه. كذلك جرى تبادل لوائح الأسرى، مع إصرار لبنان على البدء بالإفراج عن دفعة من المدنيين.
أما التطور الأبعد مدى، فهو بدء البحث في مسودات لاتفاق أمني يتعلق بالحدود وترتيباتها والمرجعية القانونية الناظمة له، بالتوازي مع الاتفاق على اللجوء إلى مجلس الأمن للبحث عن قرار جديد يشكل مرجعية أممية لمرحلة ما بعد اليونيفيل.
وهنا تحولت روما من مجرد تفاوض على انسحاب من نقاط أو مناطق محددة إلى نقاش حول شكل الجنوب نفسه في المرحلة المقبلة.
لذلك، يمكن وصف ما انتهت إليه الجولة بأنه تعثر مضبوط لا انهيار. فالقنوات بقيت مفتوحة، والعمل العسكري والتقني تقدم، لكن القرار السياسي الإسرائيلي لا يزال متأخراً عن هذا التقدم. وحتى الأول من أيلول، سيكون الميدان هو المؤشر الحقيقي: فإذا بقي التصعيد تحت سقف مضبوط، تكون الدبلوماسية قد احتفظت بفرصتها. أما إذا توسعت العمليات، فقد يتحول الضغط العسكري من ورقة تفاوض إلى مسار يفرض قواعد جديدة على الطاولة نفسها.

