ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
لم يكن اختيار لبنان بنت جبيل والخيام لطرحهما كمنطقتين نموذجيتين للمرحلة الثانية من المفاوضات مع إسرائيل في روما 2 قراراً جغرافياً فحسب. فالمدينتان تقعان في صلب الذاكرة السياسية والعسكرية للجنوب، واختيارهما يعكس محاولة من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لنقل المسار من اختبار محدود في قرى صغيرة إلى امتحان سياسي وسيادي أكثر تعقيداً.
في حسابات بعبدا، لا يمكن فصل الانسحاب الإسرائيلي عن الملف الداخلي المتعلق ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح. عون، الذي اختار التفاوض باعتباره طريقاً لوقف الدمار وإنهاء الاحتلال، يريد تثبيت معادلة متوازية: كلما تقدمت الدولة والجيش في تنفيذ التزاماتهما، على إسرائيل أن تتراجع من الأرض التي تحتلها. وهو كان قد ربط علناً نجاح المفاوضات بخطوات إسرائيلية عملية تتيح الانسحاب وانتشار الجيش.
وهذا البعد بالغ الحساسية داخلياً. فالرئاسة لا تريد أن يظهر الجيش وكأنه يدخل إلى بلدات الجنوب لتنفيذ التزامات أمنية، فيما يبقى الجيش الإسرائيلي في مواقع متقدمة.
لذلك يشكل اختيار مدينتين بهذا الثقل محاولة لإعادة ترتيب المعادلة: انسحاب إسرائيلي، انتشار للجيش، عودة للأهالي، ثم تثبيت سلطة الدولة. نجاحها يتيح لعون القول للداخل، وخصوصاً للبيئة الشيعية، إن الدولة ليست بديلاً يحضر بعد تكريس الاحتلال، بل أداة لإنهائه.
أما اختيار بنت جبيل تحديداً، فيحمل رسالة شديدة الرمزية. فهي مركز أساسي في جبل عامل، وواحدة من المدن الأكثر التصاقاً بالتاريخ السياسي والعسكري لحزب الله. منها أطلق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عام 2000 خطابه الشهير بعد الانسحاب الإسرائيلي، ومنها ترسخت لاحقاً رمزية "أوهن من بيت العنكبوت". وفي حرب تموز 2006 تحولت المدينة إلى واحدة من أعنف ساحات المواجهة، حتى إن السيطرة عليها اكتسبت في الحسابات الإسرائيلية قيمة رمزية تتجاوز الاعتبارات العسكرية.
لذلك، فإن دخول الجيش اللبناني بنت جبيل بعد انسحاب إسرائيل يحمل بالنسبة إلى عون معنى سياسياً مضاعفاً: أن تكون الدولة هي التي تستعيد السيادة في واحدة من أبرز عواصم الذاكرة المقاومة، لا أن تأتي السيادة على حساب المدينة أو أهلها.
أما الخيام، فرمزيتها أوسع من موقعها العسكري. بالنسبة إلى لبنان والجنوب تحديداً، تختصر المدينة فصلاً كاملاً من تاريخ الاحتلال الإسرائيلي ومقاومته. ففيها معتقل الخيام، الذي تحول، حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، إلى أحد أبرز رموز تلك المرحلة، ثم صار بعد التحرير معلماً لذاكرة الأسر والاحتلال والمقاومة، قبل أن تدمره إسرائيل خلال حرب تموز 2006. ولهذا تحتل الخيام مكانة خاصة في الذاكرة الجنوبية: إنها ليست بلدة حدودية تعرضت للاحتلال فحسب، بل إحدى الأماكن التي ارتبط اسمها مباشرة بسقوط الشريط الحدودي وانتهاء حقبة امتدت سنوات طويلة.
أما جغرافيًّا، فالخيام واحدة من أهم عقد القطاع الشرقي. تقع على مرتفعات تشرف على سهل مرجعيون وعلى مساحات واسعة باتجاه الحدود، وقريبة من محاور الوزاني والحاصباني ومن الطرق التي تصل الجنوب بالبقاع. وهذا الموقع جعلها تاريخياً نقطة مراقبة وانتشار، ومنطقة يصعب فصل السيطرة عليها عن السيطرة على الحركة في أجزاء واسعة من القطاع الشرقي.
من هنا، فإن اختيار الخيام في الطرح اللبناني يحمل رسالة تتجاوز مبدأ المنطقة النموذجية. فبالنسبة إلى رئيس الجمهورية، نجاح الدولة والجيش في تولي الأمن في مدينة بهذه الحمولة التاريخية والجغرافية يعني إثبات قدرة الدولة على الحلول محل المعادلات العسكرية السابقة في مكان شديد الحساسية بالنسبة إلى أهل الجنوب وحزب الله معاً، وليس في منطقة هامشية أو قليلة الرمزية. وهو ما يسمح لبعبدا بالقول إن تعزيز سلطة الدولة لا يعني محو ذاكرة المقاومة أو تجاهل الاحتلال، بل محاولة نقل حماية الأرض والحدود من منطق القوى المسلحة إلى مسؤولية المؤسسات الشرعية.
ولهذا أيضاً تحمل الخيام أهمية بالغة لإسرائيل: فالانسحاب منها لا يعني فقط إخلاء مساحة جغرافية، بل التخلي عن قدرة ميدانية مرتبطة بالإشراف على القطاع الشرقي، بالتوازي مع إعادة مدينة ذات قيمة رمزية كبيرة إلى السيطرة الكاملة للدولة اللبنانية. وهنا يلتقي في الخيام العسكري بالسياسي والرمزي، ما يجعلها أكثر بكثير من مجرد نقطة ثانية على خريطة المناطق النموذجية.
هنا أيضاً تكمن أسباب التحفظ الإسرائيلي.
فالانسحاب من الخيام يعني خسارة نقاط ذات قيمة ميدانية ومراقبة، فيما الانسحاب من بنت جبيل يحمل عبئاً رمزياً بعد تاريخ طويل من المواجهات. والأهم أن نجاح النموذج في مدينتين بهذه الحساسية سيخلق سابقة يصعب على إسرائيل حصرها: فإذا انتشر الجيش ومنع إعادة بناء البنى العسكرية، فما المبرر للاحتفاظ ببقية المواقع؟
لهذا، لا تختبر بنت جبيل والخيام الجيش اللبناني وحده، إنما تختبران جوهر مشروع عون نفسه: هل يستطيع تحويل تقدم الدولة في الجنوب إلى انسحاب إسرائيلي موازٍ، وبالتالي سحب واحدة من أبرز الحجج الداخلية التي تعرقل استكمال حصرية السلاح والسيادة؟

