پولين فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
في بلد تتراكم فيه الأزمات حتى التخمة، ليس مستغرباً أن تواجه سلامة الغذاء تحديات كبيرة، لا سيما في ظل ارتفاع معدلات التفلت وعدم الالتزام بالمعايير المطلوبة في بعض مراحل إنتاج الغذاء وتداوله.
وتزداد المخاطر بشكل خاص في فصل الصيف، حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تسارع نمو العديد من الجراثيم والبكتيريا، فيما يشكل أي خلل في التبريد أو النقل أو التخزين أو التداول عامل خطر إضافياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأغذية السريعة التلف.
ومن هذا المنطلق، لم يخلُ هذا الصيف من تسجيل حالات اشتباه بالتسمّم الغذائي، منها حالات فردية وأخرى جماعية، ولا سيما تلك التي سُجلت عقب مناسبات تتضمن تقديم الطعام بطريقة البوفيه المفتوح، حيث تتطلب هذه الطريقة التزاماً صارماً بدرجات الحرارة ومدة العرض، ومنع التلوث المتبادل، وحماية الأغذية من التداول غير السليم.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء، الدكتور إيلي عوض في حديث إلى «الأفضل نيوز» أن "الإبلاغ عن حالات الاشتباه بالتسمّم الغذائي يشكل عنصراً أساسياً في حماية الصحة العامة"، مشيراً إلى أن "وجود حالتين أو أكثر من الأعراض المتشابهة، بعد تناول طعام مشترك أو من مصدر غذائي واحد، يستدعي التعامل معها كحالة اشتباه بتفشٍّ غذائي والتحقق منها ميدانياً ومخبرياً".
وحذّر عوض من أن "ارتفاع الأنشطة السياحية والمناسبات والتجمعات خلال فصل الصيف يؤدي إلى زيادة حجم تداول الأغذية، وبالتالي يرفع الحاجة إلى التشدد في تطبيق قواعد سلامة الغذاء والرقابة على مختلف مراحل السلسلة الغذائية".
ودعا إلى "اعتماد مسار واضح عند الاشتباه بحصول تسمّم غذائي، يبدأ بالتبليغ لدى وزارة الصحة والجهات المختصة، بما يسمح بتقييم الحالة والتحقق من مصدرها وتحديد المخاطر واتخاذ الإجراءات المناسبة عند الحاجة"، مؤكدًا أن "سرعة التبليغ والاستجابة تشكلان عنصرين أساسيين للحد من انتشار أي خطر غذائي محتمل".
وشدد رئيس الهيئة على أن "قانون سلامة الغذاء رقم 35/2015 يضع إطاراً واضحاً لحماية المستهلك، ويلزم الجهات والمؤسسات المعنية بتوفير المعلومات الأساسية المتعلقة بالغذاء، وبطريقة عرضه وتحضيره وتداوله، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تلوثه، إضافة إلى عدم تضليل المستهلك".
وأشار عوض إلى "أن من أبرز أولويات الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء في المرحلة المقبلة استكمال الأنظمة والمراسيم التطبيقية، وبناء الجهاز التنفيذي للهيئة، وتطوير نظام وطني للتتبع الغذائي، وإنشاء نظام للإنذار السريع والاستجابة للحوادث الغذائية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الجهات الرسمية المعنية، ونشر ثقافة سلامة الغذاء لدى المواطنين والمؤسسات والعاملين في القطاع الغذائي".
أما بالنسبة إلى الأعراض، فإن حالات التسمم أو الأمراض المنقولة بالغذاء قد تظهر على شكل آلام في البطن، وغثيان، وتقيؤ، وإسهال، وأحياناً ارتفاع في الحرارة. إلا أن هذه الأعراض ليست حصرية بالتسمم الغذائي، وقد تتشابه مع أعراض التهابات أو أمراض أخرى، ولذلك فإن تشخيص الحالة وتحديد سببها يحتاجان إلى تقييم طبي ومعلومات وبائية، وقد يتطلبان فحوصاً مخبرية.
وتنتقل الأمراض المنقولة بالغذاء عن طريق عدد من العوامل الممرضة، ومنها البكتيريا والفيروسات والطفيليات، إضافة إلى بعض السموم التي قد تنتج عن الكائنات الدقيقة أو تكون موجودة في بعض الأغذية. ومن أبرز المخاطر البكتيرية المعروفة السالمونيلا والإشريكية القولونية، ولا سيما عند التعامل غير السليم مع اللحوم والدواجن والبيض وبعض الأغذية الأخرى.
ولا يقتصر الخطر على الغذاء نفسه، إذ يمكن أن يحدث التلوث المتبادل عندما تُستخدم الأدوات أو الأسطح نفسها للأغذية النيئة والمطهوة، أو عند لمس الأغذية الجاهزة للأكل بعد التعامل مع اللحوم أو الدواجن النيئة من دون غسل اليدين جيداً.
لذلك، تبقى الوقاية هي خط الدفاع الأول، من خلال غسل اليدين والأسطح والأدوات جيداً، وفصل الأغذية النيئة عن الأغذية الجاهزة للأكل، وطهي الطعام بصورة كافية، والمحافظة على سلسلة التبريد، وعدم ترك الأغذية القابلة للتلف في درجة حرارة الغرفة لفترات طويلة.
وفي فصل الصيف بصورة خاصة، ينبغي أن تحافظ الثلاجة على درجة حرارة لا تتجاوز 4 درجات مئوية، أما الأغذية الساخنة التي يراد إبقاؤها ساخنة، فيجب أن تُحفظ عند درجة حرارة آمنة، فيما ينبغي إعادة تسخين الطعام المبرّد بشكل كافٍ قبل استهلاكه.
في الخلاصة، الأكيد أن سلامة الغذاء هي مسؤولية مشتركة، تبدأ من المنتج والمستورد والمصنّع، مروراً بالنقل والتخزين والتوزيع والمطاعم والمؤسسات الغذائية، وصولًا إلى المستهلك. وكلما كان الإبلاغ أسرع، والاستجابة أكثر تنسيقاً، كانت القدرة على احتواء الخطر وحماية الصحة العامة أكبر.

