طارق الحجيري - خاص الأفضل نيوز
قانون العفو العام ليس ملفًا عاديًّا ينتظر توقيعًا رئاسيًّا أو إجراءً دستوريًّا، ولا قضية مؤقتة يمكن إغفالها وتجاوزها، بل هو قضية وطنية وإنسانية بامتياز، ومأساة طالت سنواتها وأرّقت عائلات وجماعة لبنانية بأكملها.
لذلك، فإن توقيع رئيس الجمهورية على قانون العفو العام، أو أقله عدم ردّه إلى مجلس النواب ضمن المهلة الدستورية، بما يجعله نافذًا وفق الأصول، يشكّل خطوة ضرورية لفتح صفحة جديدة وإنهاء معاناة آن أوان وضع حدّ لها.
المزايدة جريمة
المطلوب اليوم مقاربة القانون بعيدًا من المزايدات والحسابات السياسية والشعبوية الضيقة. فالجيش اللبناني مؤسسة وطنية جامعة، والدفاع عنها لا يكون بتحويل اسمها إلى شعار في كل سجال، أو باستخدام الحرص عليها لتبرير إبقاء ملفات اجتماعية وإنسانية مفتوحة إلى ما لا نهاية.
إن المزايدة باسم الجيش والحرص عليه، ومحاولات تعطيل معالجة قضية العفو عبر حملات إعلامية أو تحركات شعبوية مبرمجة، لن يكون من السهل تجاوز تبعاتها، خصوصًا إذا تحولت المؤسسة العسكرية إلى مادة للاستثمار السياسي، بدل أن تبقى فوق التجاذبات.
والأخطر من ذلك، محاولات الاستمرار في التفريق بين دم اللبنانيين، عسكريًّا كان أم مدنيًّا، ووضع خطوط حمراء بينهما، كما حصل خلال العقدين الأخيرين. فالعدالة لا تكون بالتمييز بين الضحايا، والدولة القوية هي التي تحمي الجميع وتتعامل مع مواطنيها بمعيار واحد.
قراءة المتغيرات
الأخطر أن يتعامل بعض الأفرقاء السياسيين وكأن لبنان يعيش في جزيرة معزولة عن محيطه وزلازله. فالمنطقة شهدت، ولا تزال، متغيرات كبيرة ومتسارعة، وتأثيراتها لن تتوقف عند الحدود.
وعليه، فإن الداخل اللبناني يحتاج إلى تخفيف أسباب التوتر، لا إلى إنتاج عوامل احتقان جديدة. والعفو العام يأتي في هذا السياق، ويمكن أن يكون مدخلًا للتهدئة والمصالحة وتعزيز الاستقرار، بدل إبقاء المستقبل مفتوحًا على جراح الماضي.
خريف الجوع
وليس أقل أهمية أن نلتفت إلى أوضاع الناس وهم يقفون على أبواب خريف الجوع، في ظل تنامي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتراكمها. مئات العائلات أنهكها انتظار حسم مصير أبنائها، وعشرات آلاف العائلات خائفة على مصيرها القاتم، ومجتمع بكامله يحتاج إلى الأمل، لا إلى مزيد من الإحباط.
إنقاذ الوطن لا يكون فقط بالخطابات الطنانة والرنانة، بل بقرار شجاع يضع حدًّا لمأساة مستمرة. من قانون العفو العام وتطبيقه بعدالة ومسؤولية، إلى وضع خطط إغاثية تخفف عن كاهل الفقراء، يمكن أن نخطو خطوات نحو التهدئة، وطيّ صفحات مؤلمة، وإعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.

