طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
لم تعد تلة "علي الطاهر" مجرد موقع عسكري في الجنوب، بل تحولت عنواناً لاختبار بالغ الحساسية يتجاوز حدودها ومحيطها. فمن خلالها تتقاطع ثلاثة مسارات مترابطة: مسار ميداني تحاول إسرائيل من خلاله تثبيت وقائع جديدة على الأرض، ومسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية لم يصل بعد إلى تحديد موعد الجولة الثامنة من المفاوضات، ومسار سياسي لبناني داخلي يتصاعد فيه الخلاف بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وحزب الله حول جدوى التفاوض و"اتفاق الإطار".
وفي خلفية هذه المسارات كلها يقف سؤال واحد: هل لا يزال في الإمكان الوصول إلى تسوية تنهي حالة الحرب وتؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية؟ أم أن الجنوب يتجه تدريجياً إلى واقع جديد تفرضه الوقائع العسكرية قبل أن تقول الديبلوماسية كلمتها؟
أهمية علي الطاهر، في رأي بعض الأوساط السياسية والمعنية، لا تكمن فقط في موقعها الاستراتيجي، بل في كونها قد تتحول نموذجاً لما يمكن أن تفعله إسرائيل في المرحلة المقبلة. فإذا كان احتلال الموقع مؤقتاً ومرتبطاً باعتبارات عسكرية محددة، يبقى في الإمكان إدراجه في أي تفاهم حول الانسحاب والترتيبات الأمنية. أما إذا تحول وجوداً دائماً، فإن المسألة تصبح مختلفة تماماً، لأن إسرائيل تكون قد أضافت واقعاً جديداً إلى الأرض اللبنانية، وستصبح استعادته لاحقاً جزءاً من التفاوض، بعدما كان يفترض أن يكون الانسحاب هو نقطة الانطلاق.
ومن هنا تكتسب التحذيرات الأميركية لإسرائيل من احتلال التلة أهمية خاصة.
فواشنطن التي ترعى المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، تدرك أن أي تغيير جغرافي بالقوة يمكن أن يقوض المسار الذي تحاول إدارته. لكن الاختبار الحقيقي لواشنطن لا يكمن في إصدار التحذيرات، بل في قدرتها على ترجمتها ضغطاً فعلياً يمنع إسرائيل من تحويل الموقع أمراً واقعاً دائماً.
فالمفاوضات لا يمكن أن تسير في اتجاه، فيما الميدان يسير في اتجاه معاكس. وإذا كانت إسرائيل قادرة على تعزيز مواقعها جنوباً خلال فترة الانتظار، فإن كل جولة تفاوضية مقبلة ستبدأ من واقع أكثر تعقيداً، وسيجد لبنان نفسه مضطراً إلى التفاوض على استعادة ما كان يفترض أن يكون مشمولاً أصلاً بأي ترتيبات للانسحاب.
ولعل عدم تحديد موعد نهائي للجولة الثامنة من المفاوضات يعكس، في جانب منه، حجم التعقيدات التي لا تزال تعترض المسار.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بالاتفاق على مكان انعقاد الجولة أو جدول أعمالها، وإنما بالقدرة على تحقيق تقدم في الملفات الأساسية: وقف الاعتداءات، الانسحاب الإسرائيلي، تثبيت الحدود، وانتشار الجيش اللبناني، فضلاً عن طبيعة الترتيبات الأمنية التي يفترض أن تحكم المرحلة المقبلة.
وهنا يبرز الخلاف اللبناني الداخلي حول "اتفاق الإطار" بوصفه أحد أبرز عناصر المشهد. فرئيس الجمهورية العماد جوزف عون يتمسك بالمسار التفاوضي ويرى فيه فرصة للبنان للخروج من دوامة الحرب واستعادة حقوقه عبر الديبلوماسية، مستنداً إلى الرعاية الأميركية والدولية. ومن هذا المنظور، فإن التفاوض، في رأيه، ليس تنازلاً عن السيادة، بل وسيلة لاستعادة الأرض وتثبيت سلطة الدولة والجيش في الجنوب.
أما حزب الله، وعلى لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، فيقدم قراءة مختلفة جذرياً.
فهو يرى أن "اتفاق الإطار" لم يحقق للبنان ما كان يفترض أن يحققه، وأن إسرائيل حصلت، وفق رؤيته، على ما تريده من دون أن يقابل ذلك إنهاء فعلي للحرب أو انسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. ولذلك انتقل موقف الحزب من التشكيك بجدوى الاتفاق إلى الدعوة إلى إسقاطه.
وهنا يتجاوز الخلاف مسألة تقنية تتعلق بصياغة اتفاق أو آلية تفاوض، ليعكس خلافاً على مفهوم إدارة الصراع نفسه. فالرئاسة تراهن على أن الديبلوماسية، مدعومة بالدور الأميركي، يمكن أن تنتزع من إسرائيل ما لم تعد الحرب قادرة على تحقيقه للبنان.
أما حزب الله فيرى أن التجربة أثبتت أن إسرائيل لا تنسحب إلا تحت ضغط القوة، وأن التفاوض في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات قد يتحول أداة لتثبيت المكاسب الإسرائيلية بدلاً من استعادتها.
وبين هاتين الرؤيتين يقف لبنان أمام مشكلة شديدة التعقيد: كيف يمكن للدولة أن تستفيد من التفاوض من دون أن تتحول المفاوضات مساراً يمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لتثبيت وقائعها؟ وكيف يمكن رفض الاتفاق من دون امتلاك بديل سياسي قادر على تحقيق الانسحاب؟
فإسقاط "اتفاق الإطار" قد يرضي من يرى أن الاتفاق لم يعط لبنان شيئاً، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: ما البديل؟ وهل يستطيع لبنان، في ظل موازين القوى القائمة، فرض الانسحاب الإسرائيلي من دون قناة تفاوضية تحظى بغطاء أميركي ودولي؟
وفي المقابل، فإن الإبقاء على الاتفاق لا يمكن أن يكون هدفاً في حد ذاته.
فالمفاوضات ليست غاية، وإنما وسيلة. وإذا لم تؤدِ إلى نتائج ملموسة، وفي مقدمها وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي، فإن الدفاع عنها سيصبح أكثر صعوبة، وستتعزز حجة الذين يرون أنها لا تحقق للبنان ما يحتاج إليه.
وهنا تحديداً تكمن أهمية تلة "علي الطاهر". فهذه التلة يمكن أن تكون الاختبار الأول لجدوى المسار كله.
إذا تراجعت إسرائيل عن تثبيت احتلالها فيها، وتمكن الجيش اللبناني من تولي المسؤولية عنها، فإن ذلك سيشكل إشارة إيجابية يمكن البناء عليها لاستئناف المفاوضات، وسيعزز موقع الدولة اللبنانية وموقف رئيس الجمهورية، كما سيمنح واشنطن فرصة لإثبات أن رعايتها للمفاوضات تعني قدرتها على التأثير في السلوك الإسرائيلي. أما إذا أصرت إسرائيل على الاحتفاظ بها، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات وتأجيل الجولة الثامنة من المفاوضات، فإن الرسالة ستكون شديدة الوضوح: الوقائع العسكرية تسبق التفاوض، وإسرائيل تدخل أي تفاوض مقبل وهي تسعى إلى تحويل مكاسبها الميدانية شروطاً سياسية. وعندها لن يكون الخلاف الداخلي اللبناني حول "اتفاق الإطار" مجرد سجال سياسي، بل قد يتحول أزمةً أعمق حول الجهة التي تملك قرار الحرب والسلام، وحول مستقبل السلاح ودور الدولة في إدارة الجنوب. وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في المشهد الراهن. فلبنان يحتاج إلى موقف موحد أكثر من أي وقت مضى، لأن الانقسام الداخلي يضعف القدرة على التفاوض، أياً تكن طبيعة الموقف الذي يتبناه كل طرف.
وإذا دخل لبنان إلى الجولة الثامنة، متى انعقدت، منقسماً حول شرعية المسار التفاوضي نفسه، فإن إسرائيل ستفاوض من موقع أقوى، بينما سيكون لبنان مضطراً إلى إدارة خلافاته الداخلية بالتوازي مع مفاوضاته الخارجية. لكن وحدة الموقف لا تعني بالضرورة تطابق المواقف. فمن الطبيعي أن تختلف القوى اللبنانية حول وسائل حماية السيادة واستعادة الأرض.
المطلوب هو أن تلتقي على الأهداف: وقف الحرب، انسحاب إسرائيل، حماية الحدود، وتعزيز سلطة الدولة والجيش، وألا يتحول الخلاف حول الوسائل عاملاً يعطل تحقيق هذه الأهداف.
وفي المقابل، فإن المسؤولية الأميركية تبدو أكبر من مجرد تنظيم الجلسات أو نقل الرسائل بين الطرفين. فإذا كانت واشنطن تريد إنجاح مسار التفاوض، فعليها أن تثبت أن لديها القدرة على منع إسرائيل من فرض وقائع تناقض جوهر التسوية التي ترعاها. فالوساطة التي لا تستطيع التأثير في الطرف الأقوى تتحول مع الوقت إدارة للأزمة، لا طريقاً إلى حلها.
لذلك، فإن مستقبل الجنوب لن تحدده الجولة الثامنة وحدها، بل ما سيحدث قبل انعقادها. فإذا بقيت تلة علي الطاهر قابلة للمعالجة، وإذا تمكنت واشنطن من منع تثبيت الاحتلال، وإذا حافظ لبنان على الحد الأدنى من وحدة الموقف، فقد يبقى باب التسوية مفتوحاً. أما إذا استمر التأخير، وتكرست الوقائع الإسرائيلية على الأرض، وتصاعد الخلاف بين الرئاسة وحزب الله حول "اتفاق الإطار"، فإن المسار التفاوضي سيصبح أمام خطر الانهيار، وسيعود الجنوب تدريجياً إلى منطق "لا حرب ولا سلام": احتلال واعتداءات من جهة، وردع وتهديد بالتصعيد من جهة أخرى، فيما تبقى الدولة بينهما عاجزة عن إنتاج تسوية نهائية.
وفي أي حال، فإن تلة علي الطاهر تبدو اليوم كأنها نقطة صغيرة تختصر أزمة الجنوب كلها. فهي اختبار لإسرائيل في مدى استعدادها للانسحاب، واختبار للولايات المتحدة في قدرتها على الضغط، واختبار للدولة اللبنانية في قدرتها على توحيد قرارها، واختبار لحزب الله في طريقة إدارة خلافه مع السلطة حول المفاوضات.
والسؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة ليس فقط: متى تنعقد الجولة الثامنة من المفاوضات؟ بل: بأي وقائع ستنعقد؟
فإذا جلست الأطراف إلى الطاولة من دون تغيير في الميدان، يمكن أن تكون الجولة فرصة لإنقاذ المسار السياسي. أما إذا دخلتها إسرائيل وهي قد احتلت مواقع جديدة وفرضت أمراً واقعاً في تلة علي الطاهر وغيرها، فقد تتحول الجولة الثامنة من فرصة للتسوية إلى محاولة أخيرة لمنع انهيارها.
وهنا تكمن المعادلة الأصعب أمام لبنان: لا يستطيع أن يقبل بتسوية تكرس احتلالاً جديداً، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يرفض التفاوض من دون بديل واقعي.
وبين هذين الخيارين يبقى مستقبل الجنوب معلقاً على قدرة الدولة اللبنانية وواشنطن، ومعهما مختلف القوى السياسية، على منع الميدان من فرض ما تعجز السياسة عن تغييره. فإما أن تنجح الديبلوماسية في تحويل الوقائع العسكرية انسحاباً وتسوية، وإما أن تفرض الوقائع العسكرية نفسها على الديبلوماسية، وعندها قد يجد الجنوب نفسه مرة أخرى أمام الطريق الذي حاول الجميع تجنبه: العودة إلى منطق القوة بعدما عجزت المفاوضات عن إنتاج الحل المطلوب.

