طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
لم يكن تفجير تلة علي الطاهر الاستراتيجية في الجنوب مجرد عملية عسكرية إسرائيلية جديدة؛ فالانفجار الذي دوّى في العاشر من أيلول، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف بنية تحتية وأنفاقاً تابعة لـ"حزب الله" تمتد لنحو كيلومترين، جاء في لحظة سياسية بالغة الدقة، كان يفترض أن يكون فيها "اتفاق الإطار" الأميركي بين لبنان وإسرائيل قد بدأ بالتحول من ورقة تفاوضية إلى مسار تنفيذي. فإذا بالواقع الميداني يسبق الديبلوماسية مجدداً، ويطرح السؤال الذي يصعب الهروب منه: ماذا بقي من "اتفاق الإطار"؟ وهل نحن أمام انهياره فعلاً، أم أمام محاولة لإعادة التفاوض عليه من موقع ميداني مختلف؟
كان الاتفاق الذي أُعلن في حزيران قد قام، في جوهره، على معادلة متدرجة: استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الفعلية على أراضيها، في مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، مع معالجة مسألة السلاح والبنية العسكرية غير التابعة للدولة؛ أي أن الاتفاق لم يكن اتفاقاً بسيطاً على الانسحاب، بل مساراً متشابكاً تتقدم فيه الالتزامات اللبنانية والإسرائيلية بالتوازي.
لكن هذه المعادلة اصطدمت منذ البداية بتفسيرين متناقضين؛ فلبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي أولاً أو بالتوازي مع خطوات الدولة، ويتمسك بحقوقه السيادية وعودة النازحين والإفراج عن الأسرى، فيما تريد إسرائيل ضمانات أمنية ملموسة، وتربط الانسحاب بتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله"، ومع تفجير تلة علي الطاهر، بدا أن إسرائيل قررت أن تقول إن الوقائع العسكرية هي التي تحدد شروط التفاوض، لا العكس.
وهنا تكتسب عبارة رئيس مجلس النواب نبيه بري بأن اتفاق الإطار "طار" دلالتها السياسية، فهي لا تعني بالضرورة أن الورقة الأميركية أصبحت بلا قيمة قانونية أو سياسية، بمقدار ما تعكس أن الصيغة التي كان يُفترض أن تقود إلى تفاهم تدريجي فقدت، على الأقل مؤقتاً، قدرتها على إنتاج خطوات متبادلة، والدليل أن واشنطن لم تعلن وفاة المسار، بل إن وزارة الخارجية الأميركية تؤكد أن جولة جديدة بين لبنان وإسرائيل ستعقد في روما خلال تشرين الأول، وأن الاتفاق لا يزال يُنظر إليه في اعتباره المسار الممكن لخفض التوتر واستعادة السيادة اللبنانية وتأمين أمن إسرائيل، وهذا يعني أن الاتفاق ربما لم "يطر" بمقدار ما تعثّر في أول اختبار حقيقي له.
السقف اللبناني
في هذا المشهد، جاءت زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون لمدينة النبطية ذات دلالة تتجاوز بعدها التضامني، فالرئيس اختار الجنوب، وفي لحظة تصعيد، ليعيد تثبيت الثوابت اللبنانية: الانسحاب الإسرائيلي، إطلاق الأسرى، عودة النازحين، وإعادة الإعمار.
الرسالة هنا مزدوجة، إلى الداخل، يقول رئيس الجمهورية إن الدولة لا تتخلى عن الجنوب ولا تقبل أن يتحول الاحتلال إلى أمر واقع دائم، وإلى الخارج، يقول إن لبنان مستعد للمسار السياسي والتفاوضي، ولكن ليس على قاعدة تحويل الانسحاب الإسرائيلي مكافأة مشروطة بتنازلات لبنانية مسبقة.
وهذه النقطة قد تكون أهم ما في المرحلة المقبلة: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تجعل الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من مسار متكامل، بدلاً من أن يصبح ورقة تفاوضية تستخدمها إسرائيل للحصول على أثمان أمنية وسياسية إضافية؟
فالولايات المتحدة، التي رعت الاتفاق، تجد نفسها الآن أمام معادلة صعبة، فإذا سمحت باستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية من دون أفق زمني واضح، فإنها تضعف موقع الدولة اللبنانية وتفرغ الاتفاق من مضمونه، وإذا ضغطت على إسرائيل للانسحاب من دون معالجة الهواجس الأمنية الإسرائيلية، فإنها تخاطر بانهيار المسار من الجانب الآخر.
ومن هنا يمكن فهم تأجيل الجولة التفاوضية من أيلول الجاري إلى تشرين الأول المقبل، التأجيل ليس بالضرورة إعلاناً لفشل المفاوضات، لكنه يكشف أن الطرفين لم يتمكنا من الانتقال من مرحلة المبادئ إلى مرحلة التنفيذ. والأهم أن موعد الجولة المقبلة سيأتي في ظل انتخابات إسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول، ما يجعل العامل الانتخابي جزءاً لا يمكن تجاهله في قراءة السلوك الإسرائيلي. وهنا تبدو المسألة الأكثر حساسية.
إسرائيل تدخل انتخاباتها المقبلة وسط منافسة حادة، وتظهر استطلاعات حديثة تقدم أحزاب المعارضة على معسكر نتنياهو، فيما يبرز غادي آيزنكوت في اعتباره أحد أبرز المنافسين المحتملين، وقد أظهرت استطلاعات سابقة تقدمه على نتنياهو في بعض السيناريوهات، وفي مثل هذه الظروف، يصبح الأمن جزءاً من المعركة الانتخابية، وليس جديداً في التجربة الإسرائيلية أن تتحول العمليات العسكرية إلى عنصر في تحديد صورة القيادة السياسية وقدرتها على حماية الأمن.
لكن يجب التمييز بين أمرين: استخدام الحرب انتخابياً، والذهاب فعلاً إلى حرب واسعة بسبب الانتخابات، الأول احتمال واقعي ينبغي أخذه في الاعتبار، أما الثاني فلا يمكن الجزم به، لأن الحرب مع لبنان أو إيران ليست قراراً يستطيع نتنياهو اتخاذه من دون مواقفة الإدارة الإميركية ومن دون حساب كلفتها العسكرية والسياسية والدولية، مع ذلك، فإن الخشية اللبنانية من أن يصبح الوقت الانتخابي الإسرائيلي عاملاً معطلاً للانسحاب ليست بلا أساس، فإذا كانت حكومة نتنياهو تعتقد أن الانسحاب قبل الانتخابات سيظهر كتنازل، أو إذا رأت أن استمرار السيطرة على منطقة عازلة في جنوب لبنان يخدم صورتها الأمنية، فقد تفضل تجميد الانسحاب إلى ما بعد الانتخابات، وهنا تكمن المشكلة: لبنان يتفاوض على الانسحاب، وإسرائيل قد تفاوض على الزمن.
نتنياهو بين التهدئة والحرب
والأخطر هو احتمال أن يواجه نتنياهو مأزقاً انتخابياً متزايداً في الأسابيع المقبلة، فإذا أظهرت الاستطلاعات اتساع الفارق لمصلحة المعارضة، فقد يجد نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يستعيد المبادرة السياسية من دون المخاطرة بحرب لا يمكن التحكم بنتائجها؟
الحرب الواسعة مع لبنان وإيران قد تمنحه، نظرياً، فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي حول “الأمن القومي” وإجبار الناخب الإسرائيلي على النظر إلى القيادة من زاوية الحرب لا من زاوية الأداء الحكومي، وهذا الاحتمال حذّر منه بالفعل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، الذي قال إن نتنياهو قد يلجأ إلى مواجهة مع إيران أو إلى تصعيد في لبنان في محاولة لتأجيل الانتخابات، لكن هذا السيناريو يحمل مخاطرة هائلة لنتنياهو نفسه؛ فالحرب التي لا تحقق نتيجة سريعة قد تنقلب عليه انتخابياً، كما أن توسيع الجبهة إلى إيران ولبنان قد يفرض على إسرائيل أثماناً أمنية واقتصادية وسياسية لا يستطيع التحكم بها. ولهذا فإن السيناريو الأكثر خطورة ليس بالضرورة أن يقرر نتنياهو غداً شن حرب شاملة، بل أن يرفع مستوى التصعيد تدريجياً، ويختبر ردود الخصوم، ويؤجل القرارات السياسية، في انتظار اتضاح اتجاه الانتخابات.
آيزنكوت والمعادلة الجديدة
أما غادي آيزنكوت، فلا ينبغي النظر إليه فقط بصفته منافساً لنتنياهو، بل بصفته جزءاً من التحول الذي تشهده السياسة الإسرائيلية: صعود شخصيات عسكرية وأمنية تحاول تقديم نفسها باعتبارها بديلاً أكثر براغماتية وأقل التصاقاً بأسلوب نتنياهو. لكن وصول آيزنكوت إلى السلطة لن يعني بالضرورة نهاية التشدد تجاه لبنان أو إيران. فالخلاف بينه وبين نتنياهو قد يكون في طريقة إدارة الصراع وتوقيته وأهدافه أكثر مما هو خلاف على مبدأ القوة العسكرية. وهذه نقطة أساسية للبنان. فلا ينبغي أن يبني رهانه على أن تغيير نتنياهو سيؤدي تلقائياً إلى انسحاب إسرائيلي سريع أو إلى تسوية سهلة. ربما يكون آيزنكوت أكثر ميلاً إلى إعادة تنظيم العلاقات الإقليمية، لكن إسرائيل، أياً يكن رئيس حكومتها، ستظل متمسكة باعتبار أمن حدودها أولوية عليا.
ماذا بعد علي الطاهر؟
المشهد، إذاً، لا يتجه بالضرورة إلى انهيار كامل للمسار السياسي، ولا إلى انسحاب إسرائيلي قريب. الأرجح أننا أمام مرحلة عضّ أصابع بين ثلاثة أطراف رئيسية: لبنان الذي يريد تثبيت الانسحاب والحقوق اللبنانية، إسرائيل التي تريد تحويل وجودها العسكري إلى ورقة أمنية وسياسية، والولايات المتحدة التي تريد منع انهيار الاتفاق وتحويل الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية إلى جبهة جديدة في المنطقة. ولهذا سيكون شهر تشرين الأول حاسماً، ليس فقط لأن المفاوضات ستستأنف، بل لأن الجولة المقبلة ستجري على وقع الحملة الانتخابية الإسرائيلية. وإذا وصلت المفاوضات إلى تشرين الأول من دون أي انسحاب إسرائيلي ملموس، فإن السؤال لن يعود: هل سينسحب الإسرائيليون؟، بل: هل تنتظر إسرائيل نتائج الانتخابات قبل اتخاذ القرار؟
أما إذا حدث انسحاب جزئي أو ترتيبات ميدانية قبل الانتخابات، فسيكون ذلك مؤشراً إلى أن واشنطن نجحت في فصل المسار اللبناني عن الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، ولو جزئياً.
الاتفاق في خطر
بعد علي الطاهر، يبدو من المبكر إعلان وفاة "الاتفاق الإطار"، كما يبدو من المبكر الرهان على تنفيذه بصيغته الأصلية. فقد دخل منطقة الخطر لأن شروطه المتبادلة لم تعد متزامنة: لبنان يطالب بالانسحاب والأسرى وعودة النازحين والإعمار، بينما تصر إسرائيل على معالجة أمنية وعسكرية تسبق الانسحاب أو ترافقه. وفي الوقت نفسه، تحاول الولايات المتحدة إبقاء المسار حياً، وهو ما يفسر استمرار التحضير لجولة تشرين الأول في روما. أما التفجير في علي الطاهر، فقد نقل المواجهة من مستوى النصوص إلى مستوى الوقائع: إسرائيل تريد أن تفاوض وهي داخل الأرض اللبنانية، ولبنان يريد أن يفاوض على انسحاب إسرائيل من الأرض اللبنانية. وبين الموقفين تقع مهمة واشنطن.
المشكلة أن العامل الثالث دخل بقوة إلى المعادلة: الانتخابات الإسرائيلية. فإذا شعر نتنياهو أن الحرب أو التصعيد يعيدان إليه زمام المبادرة، يصبح خطر الانزلاق أكبر. وإذا شعر أن الحرب قد تكون مكلفة انتخابياً، فقد يفضل إبقاء الجبهة تحت سقف معين، واستخدام الوقت والمفاوضات والمناورة العسكرية حتى تتضح النتائج.
ومن هنا، فإن الأسابيع الستة المقبلة حتى الانتخابات الإسرائيلية ستكون على الأرجح الأكثر حساسية. وقد لا يكون السؤال الحقيقي خلالها: هل تريد إسرائيل الحرب؟ بل: إلى أي مدى يستطيع نتنياهو استخدام التهديد بالحرب والتصعيد العسكري من دون أن تتحول المغامرة إلى حرب تفلت من حساباته؟
وبالنسبة إلى لبنان، فإن أفضل استراتيجية في هذه المرحلة هي عدم التعامل مع التأجيل باعتباره نهاية للمسار، وعدم التعامل معه في المقابل كضمان للانسحاب. المطلوب هو تثبيت الموقف الرسمي حول الانسحاب والأسرى والنازحين والإعمار، والإبقاء على الرعاية الأميركية والدولية للمسار، ومنع إسرائيل من تحويل "المنطقة العازلة" إلى وضع دائم. فالاختبار الحقيقي ليس في ما إذا كان "الاتفاق الإطار" قد "طار" أم لا، وإنما في من سيحدد شروط العودة إليه: الميدان الإسرائيلي، أم الطاولة اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية؟
وفي هذه اللحظة تحديداً، يبدو أن الإجابة لم تُحسم بعد.

