طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
في غضون أيام، تلاحقت في لبنان رسائل أميركية ودولية وإسرائيلية تبدو، للوهلة الأولى، منفصلة: بعثة صندوق النقد الدولي في بيروت، اجتماع باريس التحضيري لدعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، حديث أميركي عن أن مشكلة الجيش ليست في نقص الموارد بل في "الإرادة"، وتصريحات عن استمرار الإحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى حين امتلاك الجيش اللبناني القدرة الكافية لتولي مسؤولياته، بالتزامن مع تقارير عن قيام الجيش الإسرائيلي بشق طرق عسكرية وإنشاء جسور فوق نهر الليطاني استعداداً لاحتمال البقاء فترة طويلة.
قد لا تكون هذه التطورات أجزاءً من خطة واحدة معلنة، ولا توجد معطيات كافية للجزم بذلك. لكنها، إذا وُضعت في سياق واحد، تكشف تحولاً مهماً في طريقة مقاربة لبنان: لم يعد السؤال الدولي يقتصر على سبل مساعدة دولة مأزومة، بل بات يتمحور حول قدرتها على إعادة بناء مؤسساتها وتحويل الدعم الخارجي نتائج فعلية.
في الجانب الاقتصادي، جاءت زيارة بعثة صندوق النقد الدولي لبيروت لتؤكد أن لبنان "قطع شوطاً" في بعض الملفات، لكنه لم يصل بعد إلى اتفاق نهائي مع الصندوق. فقد سجلت البعثة تقدماً في إصلاح القطاع المصرفي وفي إدارة المالية العامة وفي إعداد إطار مالي متوسط الأجل، لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام استمرار المفاوضات، خصوصاً حول القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمها إعادة هيكلة المصارف ومعالجة الودائع وتوزيع الخسائر واستدامة الدين العام.
وهنا تكمن أهمية الموقف الدولي، فصندوق النقد لا يبحث فقط عن قوانين جديدة، وإنما يريد رؤية دولة قادرة على تنفيذ ما تقرره. ولذلك فإن المعركة الحقيقية لن تكون في صياغة النصوص، بل في طريقة تحويلها سياسات قابلة للتطبيق، وفي تحديد من يتحمل كلفة الانهيار المالي وكيف يمكن إعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استعادة دوره من دون تحميل الدولة التزامات تفوق قدرتها.
وفي موازاة المسار المالي، تتقدم قضية الجيش اللبناني إلى واجهة المشهد الدولي. الاجتماع التحضيري الذي انعقد في باريس لدعم الجيش وقوى الأمن لم يكن مجرد مناسبة لجمع المساعدات، بل جاء في لحظة يجري البحث عن ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، بالتزامن مع اقتراب انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل" الحالية نهاية السنة الجارية والنقاش حول الدور الذي ينبغي أن يؤديه الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، اكتسب التصريح المنسوب إلى مصدر في وزارة الحرب الأميركية بأن ضعف أداء الجيش اللبناني لا يعود إلى نقص الموارد، وأن المشكلة "تبدو مسألة إرادة"، أهمية خاصة. فإذا كانت العبارة قد نُقلت بدقة، فهي تعكس تحولاً في النظرة الأميركية من سؤال "ماذا يحتاج الجيش؟" إلى سؤال "ماذا يفعل الجيش بما لديه؟".
وهذا التحول لا يتعلق بالجيش وحده. فحين تتحدث واشنطن عن نتائج "ملموسة وقابلة للتحقق"، وعن ضرورة الشفافية والرقابة، فإنها تضع المساعدات المقبلة ضمن منطق جديد: الدعم لن يكون مفتوحاً على التعهدات السياسية، بل سيكون مرتبطاً بالأداء والنتائج.
وهنا تبدأ الحلقة الأكثر حساسية. فقد أصبح مستقبل الجنوب مرتبطاً بصورة متزايدة بقدرة الدولة اللبنانية، وخصوصاً الجيش، على تولي المسؤولية الأمنية. وفي المقابل، تتحدث إسرائيل عن استمرار احتلالها لأجزاء من جنوب لبنان، فيما تشير تقارير حديثة إلى أعمال بنية تحتية عسكرية تشمل شق طرق وإنشاء جسور فوق نهر الليطاني، بما يسمح للقوات الإسرائيلية بالحركة والإمداد حتى في حال استمرار انتشارها لفترة طويلة.
لا يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل اتخذت قراراً نهائياً بالبقاء الدائم في لبنان. فالجيوش تبني قدرات لوجستية تحسباً لسيناريوهات متعددة. لكن الرسالة الميدانية تستحق التوقف عندها: الجيش الإسرائيلي لا يبني خطته على افتراض أن الانسحاب السريع هو السيناريو الوحيد.
والسؤال هنا: هل يصبح الليطاني خط عبور بدلاً من أن يكون خطاً فاصلاً؟. هنا تبرز مسألة أكثر حساسية من مجرد بناء الجسور. فإذا كان نهر الليطاني يمثل في التصور الأمني الإسرائيلي الحد الجغرافي الذي يفترض أن يحول دون وصول الخطر إلى شمال إسرائيل، فإن إنشاء جسور عسكرية فوقه، بالتزامن مع شق طرق مخصصة للحركة العسكرية، يعني أن النهر لا يُعامل بالضرورة كحد أقصى للعمليات، وإنما كحاجز يمكن تجاوزه عندما تقتضي العمليات ذلك.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة مع السيطرة الإسرائيلية على تلة علي الطاهر شمال الليطاني ذات الأهمية الميدانية بسبب إشرافها على مساحات واسعة من النبطية وإقليم التفاح ومحيط الليطاني. وإذا تأكد استمرار الاحتلال الإسرائيلي لها وتوسع النشاط العسكري حولها، فإن ذلك يضيف بعداً جغرافياً جديداً إلى المشهد، لأن الأمر لا يعود مقتصراً على المنطقة المحاذية للحدود. ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح في أي تقدير استراتيجي: هل تسعى إسرائيل إلى مجرد الاحتفاظ بمواقع متقدمة تسمح لها بالمراقبة والقصف، أم أنها تعمل تدريجاً على بناء قدرة تمكنها من إنشاء عمق أمني متحرك شمال الليطاني؟
لا تتوافر حتى الآن معطيات كافية للقول إن هناك قراراً إسرائيلياً باحتلال المنطقة الممتدة من الليطاني إلى الزهراني، أو حتى الوصول إلى نهر الأولي شمال صيدا. لكن هذا السيناريو لا ينبغي تجاهله إذا استمرت المؤشرات الميدانية في الاتجاه نفسه. فالفارق كبير بين أن تكون الجسور والطرق جزءاً من متطلبات عمليات عسكرية مؤقتة، وبين أن تصبح جزءاً من شبكة لوجستية دائمة تربط مواقع انتشار إسرائيلية داخل لبنان. وفي الحالة الثانية، فإن الأمر سيكون مؤشراً إلى أن إسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية مناورة في عمق أكبر من المنطقة الحدودية.
وهنا تصبح منطقة الزهراني نقطة مراقبة مهمة، ليس لأن الوصول إليها قد تقرر، بل لأن أي تحرك عسكري إسرائيلي في اتجاهها سيعني انتقالاً من مفهوم "المنطقة الأمنية الحدودية" إلى مفهوم أوسع للعمق الأمني. أما الوصول إلى نهر الأولي شمال صيدا، فسيكون تطوراً من طبيعة مختلفة تماماً، نظراً إلى موقع صيدا ومحيطها وأهميتهما السكانية والجغرافية والاقتصادية.
ومن هذه الزاوية، فإن تلة علي الطاهر تكتسب أهمية تتجاوز موقعها العسكري المباشر. فإذا أصبحت إسرائيل مستعدة للاحتفاظ بموقع مرتفع شمال الليطاني، بالتوازي مع بناء وسائل عبور فوق النهر وشق طرق عسكرية، فإن السؤال لن يعود فقط: "هل ستبقى إسرائيل جنوب الليطاني؟"، بل سيصبح: أين تنتهي فعلياً المنطقة التي تعتبرها إسرائيل ضرورية لأمنها؟
وهذا السؤال قد يكون أكثر أهمية من الجسور نفسها. لأن إسرائيل، في حال استمرار هذه البنية العسكرية، قد لا تكون بحاجة إلى إعلان خطة احتلال واسعة لكي تغير المعادلة. يكفي أن تمتلك القدرة على التوغل شمال الليطاني عند الحاجة، وتأمين قواتها وإمدادها، والاحتفاظ بمواقع مرتفعة، لكي يصبح العمق اللبناني ورقة عسكرية وتفاوضية في آن واحد.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الاحتلال الدائم والقدرة على التوغل والاحتفاظ بمواقع متقدمة. الأول يحتاج إلى قرار سياسي واستراتيجية مختلفة، أما الثاني فقد يكون جزءاً من استراتيجية ردع أو ضغط أو تفاوض، حتى من دون قرار بالسيطرة الدائمة على المنطقة. وهذا ما يجعل مراقبة الجسور والطرق والمواقع الجديدة أمراً مهماً. فإذا بقيت المنشآت مرتبطة بالعمليات ثم بدأ تفكيكها أو تسليم المواقع بالتوازي مع ترتيبات الانسحاب، فسيكون تفسيرها مختلفاً. أما إذا تحولت شبكة متصلة بمواقع ثابتة شمال الليطاني، وترافقت مع توسع العمليات في اتجاه الزهراني أو إقليم التفاح، فستكون الرسالة الميدانية أكثر وضوحاً.
وتزداد حساسية الأمر لأن كل ذلك يجري في الوقت الذي تتحدث الولايات المتحدة الاميركية عن ضرورة تعزيز الجيش اللبناني، وفي الوقت الذي تربط فيه تصريحات أميركية الانسحاب الإسرائيلي بقدرة الجيش اللبناني على تولي المسؤولية الأمنية. فإذا كان المطلوب من الجيش اللبناني أن يحل تدريجاً محل القوات الإسرائيلية في الجنوب، فإن أي توسع إسرائيلي شمال الليطاني سيعيد تعريف المهمة نفسها: هل المطلوب من الجيش اللبناني استعادة السيطرة على منطقة جنوب الليطاني فقط، أم أن عليه أن يكون قادراً على منع نشوء فراغ أمني في عمق أكبر؟
وهنا تتقاطع الجغرافيا مع التفاوض. فالحدود التي ستخرج من المفاوضات المقبلة ليست بالضرورة مجرد خطوط على الخريطة، وإنما هي تحديد لمجال الحركة العسكرية، ومناطق الانتشار، ومسؤوليات الجيش اللبناني، ومصير المواقع الإسرائيلية الحالية. ولذلك فإن أي تغير ميداني قبل التوصل إلى اتفاق نهائي قد يتحول لاحقاً عنصراً تفاوضياً.
وتزداد أهمية هذا الأمر مع التحضيرات لجولة المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المقبلة، لأن السؤال الأساسي لن يكون فقط متى تنسحب إسرائيل، وإنما من أي مناطق وبأي حدود وبأي ضمانات وبأي جدول زمني.
وهنا يعود المسار الأمني إلى المسار الاقتصادي. فلبنان يحتاج إلى دعم صندوق النقد الدولي لإعادة بناء اقتصاده، ويحتاج إلى دعم المجتمع الدولي لإعادة بناء الجيش، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة أمنية تسمح بعودة النشاط الاقتصادي والاستثمار وإعادة الإعمار. وكلما اتسعت مساحة عدم الاستقرار أو طال أمد الاحتلال الإسرائيلي، ازدادت كلفة إعادة بناء الدولة والاقتصاد. ومن هنا، فإن المسارين المالي والعسكري ليسا منفصلين كما قد يبدو للوهلة الأولى. الدولة التي تريد استعادة ثقة صندوق النقد والمجتمع الدولي تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، والدولة التي تريد استعادة سيادتها على أرضها تحتاج إلى مؤسسة عسكرية قادرة، والجيش الذي يُطلب منه تولي مسؤوليات أكبر يحتاج إلى تمويل مستدام واقتصاد قادر على تحمل كلفة الدولة الأمنية.
وفي هذا السياق، تصبح عبارة "مسألة إرادة" التي نقلت عن المصدر الأميركي أكثر دلالة. فالمطلوب، على ما يبدو، ليس فقط أن يحصل الجيش على السلاح والمال، وإنما أن تكون الدولة قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها. وهذا هو الاختبار الذي يربط بين الاقتصاد والأمن والسيادة.
ولا يعني ذلك أن هناك بالضرورة خطة أميركية واحدة تربط صندوق النقد بالجيش وبالانسحاب الإسرائيلي. المعطيات المتوافرة لا تكفي لإثبات ذلك. لكن هناك تقاطعاً واضحاً في الرسائل: المجتمع الدولي يريد إصلاحاً اقتصادياً قابلاً للتنفيذ، ويريد مؤسسة عسكرية قادرة على تحقيق نتائج، ويريد ترتيبات أمنية تمنع الفراغ في الجنوب.
ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت إسرائيل ستصل إلى الزهراني أو نهر الأولي، فهذا لا يمكن الجزم به في ضوء المعطيات الحالية. السؤال الأهم هو. هل تجري تدريجاً إعادة تعريف المجال الذي تعتبره إسرائيل ضرورياً لأمنها، وهل سيؤدي ذلك إلى انتقال خط التماس الفعلي شمال الليطاني؟
فإذا بقي الليطاني مجرد حاجز تعبره القوات الإسرائيلية عند الضرورة ثم تعود، فالمشهد يختلف عن قيام إسرائيل ببناء مواقع دائمة شماله. وإذا تحولت تلة علي الطاهر من موقع عسكري متقدم إلى جزء من شبكة انتشار ثابتة، أو ظهرت مواقع جديدة في اتجاه الزهراني، فستكون هناك دلالة مختلفة تماماً. ولهذا فإن الاختبار المقبل ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب من جنوب الليطاني، بل ما إذا كانت ستسعى إلى إعادة تعريف الجنوب الذي تعتبره مجالاً أمنياً ليشمل عمقاً شمال الليطاني. وهذه ليست مسألة عسكرية فقط. إنها مسألة سيادية وتفاوضية أيضاً، لأن أي تغيير فعلي في نطاق الانتشار الإسرائيلي سيؤثر في طبيعة المهمة التي يُطلب من الجيش اللبناني القيام بها، وفي حجم الدعم الذي يحتاجه، وفي شكل أي اتفاق أمني مقبل، وفي قدرة الدولة اللبنانية على المطالبة بانسحاب إسرائيلي واضح ومحدد.
وفي النهاية، فإن لبنان يقف أمام مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة اختبارات: اختبار اقتصادي أمام صندوق النقد، واختبار مؤسساتي أمام الدول الداعمة للجيش، واختبار سيادي وأمني في الجنوب. والعامل الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون عدد التصريحات التي تصدر من هنا وهناك، بل الوقائع التي ستنشأ على الأرض، والمعايير التي ستوضع للجيش اللبناني، والحدود التي ستُرسم للاحتلال الإسرائيلي، والضمانات التي سترافق أي ترتيبات جديدة.
إن السؤال لم يعد فقط: ماذا سيعطي العالم لبنان؟ بل أصبح أيضاً: ما المطلوب من لبنان في المقابل، وما الذي سيحصل عليه لبنان في المقابل، وأين ستكون الحدود الفعلية للسيادة اللبنانية عندما تنتهي هذه المرحلة؟

