هديل الحسين - خاصّ الأفضل نيوز
لطالما ارتبطت صورة الأب في المجتمع اللبناني بالسند والمسؤولية، وبفكرة أنه المعيل الأساسي للأسرة والمسؤول عن تأمين احتياجاتها. لكن ماذا عن حال هذا الأب اليوم، في ظل الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه لبنان؟
منذ الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2019، ارتفعت كلفة المعيشة وتزايدت الأعباء اليومية على الأسر. وبين الإيجار والطعام والتعليم والطبابة، يجد الأب المعيل نفسه أمام مسؤوليات تتجاوز قدرته على تأمينها براتب واحد، فهل يكفي دخل الأب اليوم لتغطية الاحتياجات الأساسية لعائلته؟ وهل أصبح العمل الإضافي ضرورة لا خيارًا؟ وماذا عن الكماليات التي تحولت بالنسبة لبعض الأسر إلى أمور مؤجلة؟ والأهم، كيف يعيش الأب نفسه تحت ضغط تأمين حياة أسرته في ظل واقع اقتصادي لا يبدو أن أعباءه تنتهي؟
خلف الأرقام… أبٌ يخشى ألا يكفي ما لديه
خلف حسابات الأرقام وفواتير المولدات، يعيش بعض الآباء ضغطًا متزايدًا يرتبط بمسؤولية تأمين احتياجات الأسرة، والخوف من عدم القدرة على مواجهة أي طارئ؛ فمع ارتفاع كلفة الحياة، لا يقتصر الضغط على تأمين الطعام والسكن والتعليم، بل يمتد إلى الصحة والدواء والنقل وسائر الاحتياجات الأساسية، ومع كل مصروف جديد، يجد الأب نفسه مضطرًا إلى إعادة ترتيب أولوياته، وتأجيل احتياجاته الشخصية أو البحث عن مصادر دخل إضافية.
وبالنسبة إلى بعض الآباء، لا يرتبط الأمر بالمال وحده، بل بالشعور بالمسؤولية تجاه الأسرة، وبالخوف من ألا يكون الدخل كافيًا عندما تطرأ حاجة غير متوقعة.
مقابلات: عندما يصبح العمل الإضافي ضرورة
سامي حمود، 42 عامًا، أب لثلاثة أولاد ومعيل الأسرة الوحيد:
«أنا أب لثلاثة أولاد، أعمل خلال النهار في وظيفة أساسية، وبعد انتهاء دوامي أنتقل إلى عمل آخر حتى المساء. في السابق كان راتبي يكفيني إلى حدٍّ ما، أما اليوم فأصبح من الصعب تغطية كل المصاريف من مصدر دخل واحد. في نهاية اليوم أعود إلى المنزل متعبًا، وأحيانًا لا أرى أولادي إلا لفترة قصيرة. أكثر ما يؤلمني أنني أعمل من أجلهم، لكن العمل نفسه يأخذ جزءًا كبيرًا من الوقت الذي كنت أريد أن أقضيه معهم.»
محمد عفيفي، 45 عامًا، أب لأربعة أولاد ومعيلهم الوحيد:
«أشعر أن المسؤوليات أصبحت أكبر من قبل. لدي عائلة ومصاريف ثابتة، لكن الدخل لا يرتفع بالسرعة نفسها التي ترتفع بها الأسعار. لذلك أصبحنا نحسب كل مصروف قبل أن ندفعه. فالأب لا يريد رفاهية، يريد فقط أن يعمل ويؤمن لعائلته حياة كريمة، وأن يشعر أن تعبه له نتيجة. اليوم أصبح الوصول إلى هذا الشيء أصعب بكثير.»
تُظهر الشهادتان جانبًا من التحول الذي طرأ على حياة بعض الآباء: فالعمل لم يعد بالنسبة إلى البعض وسيلة لتحسين مستوى المعيشة فحسب، بل أصبح وسيلة للحفاظ على الاحتياجات الأساسية للأسرة.
الأرقام تكشف حجم المعركة
لا يواجه الأب المعيل في لبنان مسؤولياته في فراغ اقتصادي. فقد رُفع الحد الأدنى الرسمي للأجور إلى 28 مليون ليرة لبنانية عام 2025، فيما استمرت كلفة المعيشة في الارتفاع.
ووفق إدارة الإحصاء المركزي، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 15.69% على أساس سنوي في يوليو 2026. كما سجل مؤشر التعليم ارتفاعًا سنويًا بلغ 35.94% في ديسمبر 2025، فيما ارتفع مؤشر أسعار الوقود بنسبة 75.41% خلال الفترة نفسها.
ولا تتوقف الضغوط عند الأسعار. فقد أظهر مسح لمنظمة العمل الدولية أُجري في مايو 2026 وشمل 2,485 عاملًا في القطاع الخاص، أن 33% من المشاركين لم يعودوا يعملون وقت إجراء المسح، فيما انخفض متوسط دخل العمل المقدّر بنسبة 40.4% عند احتساب فقدان الوظائف وتراجع الأرباح.
وفي القطاع الصحي، تظهر أعباء إضافية على الأسر؛ إذ أشارت اليونيسف إلى ارتفاع المدفوعات الصحية المباشرة من جيوب الأسر إلى أكثر من 85% من الإنفاق الصحي عام 2022.
أما في التعليم، فأفادت اليونيسف في مسح أجرته عام 2025 بأن 30% من الأسر خفضت إنفاقها على التعليم لتتمكن من تأمين الاحتياجات الأساسية.
هذه الأرقام لا تصف حياة الأب وحده، لكنها تكشف البيئة الاقتصادية التي يحاول فيها تأمين حياة أسرته.
هل يستطيع راتب واحد أن يحمل أسرة كاملة؟
بين راتب يحاول مواكبة الأسعار، وتعليم وطبابة ونقل وسكن، يجد الأب المعيل نفسه أمام سؤال يومي: كيف يمكن لدخل واحد أن يغطي احتياجات عائلة كاملة في اقتصاد تتغير فيه كلفة الحياة باستمرار؟
وفي بعض الحالات، يصبح الحل بالعمل الإضافي، وفي حالات أخرى بتقليص النفقات أو تأجيل الاحتياجات الشخصية. أما الكماليات، فقد تتحول إلى أمور يمكن الاستغناء عنها عندما تصبح الأولوية للطعام والتعليم والصحة والسكن.
وهنا لا يعود السؤال فقط: كم يكسب الأب؟
بل يصبح: كم يستطيع أن يحتفظ به بعد أن يدفع ثمن الضروريات؟
هل تغيّر معنى «المعيل»؟
لطالما ارتبط مفهوم المعيل في المجتمع اللبناني بصورة الأب الذي يتحمل العبء المالي الأكبر عن الأسرة. لكن الظروف الاقتصادية دفعت بعض العائلات إلى إعادة توزيع المسؤوليات، فقد تصبح الأم مصدر دخل إضافيًا، أو يضطر أحد الأبناء إلى العمل في سن مبكرة، أو تعتمد الأسرة على تقليص نفقاتها ومشاركة أفرادها في اتخاذ القرارات المالية، وبذلك، قد لا تعود إعالة الأسرة مرتبطة بشخص واحد فقط، بل تتحول إلى مسؤولية تشترك فيها الأسرة بأكملها.
لكن هذا التغيير لا يلغي الضغط الذي يشعر به الأب الذي يرى نفسه مسؤولًا عن تأمين الاستقرار لعائلته.
عندما يصبح الصمود خطة رغم قسوة الواقع، لا يتعامل جميع الآباء مع الأزمة بالطريقة نفسها. فبعضهم يلجأ إلى العمل الإضافي، وآخرون يعيدون ترتيب أولويات الإنفاق، فيما يحاول بعضهم إشراك الأبناء في فهم الواقع المالي للعائلة بطريقة تتناسب مع أعمارهم.
وفي بعض الأسر، لم يعد الحديث عن المال موضوعًا يجب إخفاؤه بالكامل عن الأبناء، بل أصبح فرصة لتعليمهم قيمة المال وترشيد الاستهلاك والمشاركة في تحمل المسؤولية.
كما أن الأبوة في ظل الأزمة لا تختصر بالقدرة على الإنفاق. فالحضور العاطفي، والاستماع إلى الأبناء، ومساندتهم، والحفاظ على التواصل معهم، كلها أدوار لا تتوقف عندما تضيق القدرة المادية.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: فالأب الذي يعمل لساعات أطول من أجل عائلته قد يخسر جزءًا من الوقت الذي يحتاجه ليكون حاضرًا معها.
من المعيل إلى الشريك في الصمود
الأزمة الاقتصادية لم تغير فقط طريقة إنفاق الأسرة، بل دفعت بعض العائلات إلى التفكير بطريقة مختلفة في مفهوم المسؤولية، فالأب قد يبقى المعيل الأساسي، لكن الأسرة تصبح شريكة في إدارة الأزمة: الجميع يعرف الأولويات، والجميع يتعلم أن بعض الرغبات يمكن تأجيلها، وأن الضروريات تأتي أولًا.
وهكذا، يصبح الصمود ليس مجرد قدرة الأب على الاستمرار في العمل، بل قدرة الأسرة على إعادة تنظيم حياتها بما يتناسب مع واقع اقتصادي متغير.
الخاتمة
في لبنان، لم تعد معركة الأب المعيل تقتصر على تأمين راتب في نهاية الشهر، بل أصبحت محاولة يومية للحفاظ على استقرار الأسرة وسط ارتفاع كلفة الحياة وتقلص الخيارات.
وراء كل راتب هناك أب يحاول أن يوازن بين ما يكسبه وما تحتاجه أسرته، وبين حاجاته التي يؤجلها واحتياجات أولاده التي لا يستطيع تأجيلها. بعضهم يواجه ذلك بالعمل الإضافي، وبعضهم بتقليص المصاريف، وآخرون يجدون أنفسهم أمام قرارات لم يكن عليهم اتخاذها في السابق.
لكن الأزمة دفعت أيضًا بعض الآباء والأسر إلى إعادة تعريف معنى الإعالة؛ فالمسؤولية لم تعد مرتبطة بالمال وحده، بل بالحضور والتخطيط وترشيد الإنفاق ومشاركة الأبناء في مواجهة الواقع.
فالأب الذي يقضي يومه في العمل من أجل عائلته لا يحتاج فقط إلى أن يبقى قادرًا على تأمين لقمة العيش، بل إلى واقع اقتصادي يسمح له بأن يعيش هو أيضًا، لا أن يكون دوره مقتصرًا على البقاء واقفًا من أجل الآخرين.
وربما لا يكون السؤال: هل يستطيع الأب أن يصمد؟
بل: كيف تستطيع الأسرة كلها أن تصمد، في بلد أصبحت فيه مسؤولية تأمين حياة كريمة أكبر من قدرة راتب واحد؟
فخلف كل أب يعمل حتى التعب، هناك عائلة تنتظر منه الأمان… وخلف كل راتب، معركة يومية لا تظهر في الأرقام.

