د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
اثنا عشر سنتًا للسجل: بهذا السعر اشترى باحثون بيانات حساسة عن عسكريين أميركيين، تشمل صحتهم وأوضاعهم المالية ومعتقداتهم الدينية .
وفي البحر المتوسط، كشف تسجيل جولة جري موقع حاملة طائرات فرنسية، أما تطبيقات المواعدة، فتحوّلت إلى أبواب للتجنيد واستدراج الجنود. هكذا أصبح الهاتف منفذًا استخباراتيًا؛ فالتفاصيل التي ينشرها العسكري للتسلية، أو تجمعها التطبيقات للإعلانات، يستطيع الخصم الحصول عليها من خارج أسوار القواعد،
تطبيق رياضي يكشف موقع حاملة طائرات
في الواقع، لم يحتج تحديد موقع حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» إلى اختراق أنظمتها؛ إذ إن أحد أفراد البحرية الفرنسية ركض على سطحها وسجّل نشاطه على «سترافا»، وهو تطبيق لتتبّع الأنشطة الرياضية، ما أظهر موقع الحاملة.
وبما أن حسابه كان متاحًا للجميع، فقد أمكن الاطّلاع على مسار جريه الذي رسم دوائر متتابعة وسط البحر، وكشف بالتالي عن موقع الحاملة المتجهة إلى الشرق الأوسط بدقّة. وبحسب تحقيقات صحيفة «لوموند» الفرنسية، أتاح التطبيق تحديد مواقع عسكريين فرنسيين وإسرائيليين أيضًا.
أكثر من ذلك، استخدم باحثون من مؤسسة التحقيقات الصحافية «فولو ذا موني» تطبيق «بولارستيبس»، المخصّص لتوثيق الرحلات، لتتبّع عشرات العسكريين والموظفين الحكوميين. والصادم أنهم توصّلوا إلى تحديد منازلهم، وفي إحدى الحالات، مدرسة أبناء أحد العسكريين. بهذه الطرق، امتدّ الكشف من تحرّكات الجندي إلى حياة عائلته.
الحبّ مدخلًا إلى الأسرار
إلى جانب ذلك، تعتمد عمليات أخرى لسرقة بيانات الشخص المُستهدَف على استدراج صاحب المعلومة. ووفق منصة «إي يو ضد التضليل»، التابعة للاتحاد الأوروبي، استخدمت روسيا وأوكرانيا حسابات وهمية عبر مواقع المواعدة لتنفيذ عمليات استخباراتية.
ففي حين جنّدت الاستخبارات الروسية أفرادًا لتنفيذ أعمال تخريب، أقنعت الأجهزة الأوكرانية، بدورها، جنودًا بالكشف عن مواقع عسكرية روسية.
وكان سبق ذلك إعلان الجيش الإسرائيلي، عام 2018، عملية «القلب المكسور» لإحباط حملة نُسبت إلى حركة «حماس»، استخدمت تطبيقات مواعدة وهمية لاختراق هواتف جنوده. من هنا، قد تمنح المحادثة الشخصية الجهاز الاستخباراتي ما تعجز المراقبة عن كشفه: ثقة صاحب السرّ.
معلوماتك تصل قبل الإعلان
ضع في اعتبارك أن الوصول إلى بياناتك لا يحتاج دائمًا إلى علاقة مزيّفة؛ فهناك تطبيقات كثيرة تجمع معلومات المستخدمين وتبيعها لشركات تتاجر بها،
ففي عام 2023، اختبر باحثون في جامعة ديوك الأميركية سهولة شراء هذه البيانات.
والمثير أنهم حصلوا على بيانات حساسة بأسعار تبدأ من 12 سنتًا للسجل، ورصدوا ضعف التحقّق من هوية المشترين. حتى استخدام عنوان بريد إلكتروني ينتهي بنطاق «آسيا» لم يمنع إتمام الصفقات.
اللافت أن سوق الإعلانات قد يتيح وصولًا أسرع إلى البيانات؛ فعند فتح بعض المواقع والتطبيقات، تُرسل معلومات الجهاز إلى شركات تتنافس لعرض إعلان.
وفي هذا السياق، يرجّح الباحث الأمني تور إرلينغ بيورستاد إمكان استغلال هذه المزادات للحصول على بيانات فورية، وتوضح هذه الفرضية كيف يمكن لبنية تجارية أن تخدم المراقبة العسكرية.
الجيش يطارد أثر الهاتف
عمليًا، دفع القلق من استغلال البيانات الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات فعلية؛ ففي 4 أيلول، أعلن الجيش الأميركي حظر الإعلانات المخصّصة على أجهزته، بعدما أقرّت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بتلقّي تقارير عن استخدام خصوم بيانات مواقع تجارية لمراقبة أفراد أميركيين في الخارج أو استهدافهم. و«سنتكوم» هي القيادة العسكرية الأميركية المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأجزاء من جنوب آسيا.
ونتيجة هذه المخاوف، يدرس الجيش الأميركي إلزام الجنود المنتشرين في الشرق الأوسط بتسليم هواتفهم الشخصية.
في المحصلة
يجتمع الاستدراج والمشاركة العفوية وتجارة البيانات عند نقطة واحدة: الهاتف. قد يحفظ العسكري أسرار وحدته، بينما تترك تطبيقاته آثارًا تكشف تحرّكاته. ويستطيع الخصم جمع هذه الآثار وتحويل تفاصيل متفرّقة إلى صورة لا يريد الجيش إظهارها.

