ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
في بلدٍ أصبح فيه تأمين الإيجار الشهري تحدياً لا يقلّ صعوبة عن تأمين لقمة العيش، يعود الحديث عن القروض السكنيّة، فبعد سنوات من الشلل الذي أصاب القطاع المصرفي وتوقف معظم أشكال التمويل السكني، أعاد مصرف الإسكان فتح باب الاقتراض، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعيّة.
غير أن عودة القروض لا تعني بالضرورة عودة القدرة على شراء المنازل، خصوصاً في ظل الفجوة بين المداخيل وأسعار الشقق، لقد ارتفع سقف القرض السكني إلى ١٠٠ ألف دولار، مع خفض الفائدة السنوية إلى ٥.٧٥ بالمئة في تموز ٢٠٢٦. وبحسب الأرقام المعلنة حتى مطلع الشهر نفسه، بلغ عدد القروض الممنوحة ١٠٥٩ قرضاً، بقيمة إجماليّة قاربت ٧٤ مليون دولار، منها ٩٨٠ قرضاً لشراء شقق سكنيّة. ورغم أهميّة هذه الخطوة، تبقى الأرقام محدودة مقارنة بحجم الحاجة إلى التمويل السكني في لبنان.
أشار الخبير الاقتصادي خالد أبو شقرا في حديث خاص لـ"الأفضل نيوز" إلى أنّ: "قطاع قروض الإسكان يشهد احتكاراً من جهة وحيدة تتمثل في مصرف الإسكان، الذي يغلب عليه الطابع الخاص، بخلاف المؤسسة العامة للإسكان سابقاً التي كانت تدعم الفوائد لفترات أطول وبأقساط أقل".
ولفت إلى أنّ: "حصول المصرف على قرض من الصندوق العربي أتاح رفع قيمة التمويل للشقة الواحدة من ٥٠ ألف دولار إلى ١٠٠ ألف دولار، معتبراً المبادرة ممتازة وضرورية جداً للبنانيين، نظراً إلى دورها في تحريك النشاط الاقتصادي وتشجيع شراء العقارات في المناطق الطرفية، وليس في المدن وحدها."
لكن المشكلة لا تنتهي عند توافر التمويل، بل تبدأ من القدرة على تسديده؛ فقرض بقيمة ١٠٠ ألف دولار، بفائدة سنوية ثابتة تبلغ ٥.٧٥ بالمئة وعلى فترة سداد تمتد إلى ١٥ عاماً، يترتب عليه قسط شهري يقارب ٨٣٠ دولاراً، وفق حساب افتراضي بأقساط متساوية لا يشمل الرسوم والتأمين أو أي فترة سماح. وهذا يعني أن عائلة يبلغ مجموع دخلها الشهري ١٥٠٠ دولار قد تضطر إلى تخصيص نحو ٥٥% منه لتسديد القرض وحده، فيما تنخفض النسبة إلى نحو ٣٣% لدى عائلة تتقاضى ٢٥٠٠ دولار. وبين الحالتين، تتفاوت فرص الحصول على منزل، رغم أن الحلم واحد.
وفي هذا السياق، أكد أبو شقرا وجود ثلاثة عوائق أساسية أمام الاستفادة من القروض، أبرزها: "عدم كفاية قيمتها لتغطية أسعار الشقق، والفجوة بين الرواتب الفعليّة وتلك المصرّح عنها للضمان الاجتماعي، وصعوبة تأمين دخل عائلي يسمح بتسديد الأقساط".
وأوضح أنّ: "أغلب شركات القطاع الخاص تدفع رواتب بمتوسط ٧٠٠ دولار، لكنها تصرّح للضمان الاجتماعي بالحد الأدنى للأجور، الذي يقدّره بنحو ٣٠٠ دولار، ما يحرم الموظفين من إثبات دخلهم الحقيقي عند طلب التمويل. ويعتبر أن قرضاً بقيمة ١٠٠ ألف دولار يتطلب دخلاً عائلياً لا يقل عن ألفي دولار شهرياً لتغطية القسط ونفقات المعيشة معاً."
ولا تتوقف المشكلة عند قيمة القسط. فأسعار العقارات نفسها تشكل عائقاً إضافياً، لا سيما في بيروت وضواحيها وبعض المناطق الساحليّة. وتشير بيانات أسعار العرض العقاري المنشورة إلى أن متوسط السعر المطلوب للمتر المربع يبلغ نحو ٩٧٢ دولاراً في جبيل، مقابل ١٣٧٨ دولاراً في الدكوانة و١٧٤٤ دولاراً في جونيه. وبحساب تقريبي، قد يصل سعر شقة بمساحة ١٠٠ متر مربع إلى نحو ٩٧ ألف دولار في جبيل، و١٣٨ ألفاً في الدكوانة، و١٧٤ ألفاً في جونيه، من دون احتساب الرسوم والتكاليف الإضافية. وهي أسعار تختلف بحسب موقع العقار وعمر البناء ومواصفاته، لكنها تكشف أن سقف التمويل، مهما ارتفع، لا يغطي بالضرورة ثمن المسكن الذي تبحث عنه الأسرة.
ومع ذلك، لا يمكن اختصار القروض السكنية في بعدها الاجتماعي فقط. فكل شقة تُباع أو تُبنى أو تُرمم تعني حركة إضافية في قطاعات المقاولات والهندسة ومواد البناء والأثاث، ما يجعل التمويل العقاري أداة لتحريك الاقتصاد، وليس مجرد تسهيل مصرفي.
وهنا يستشهد أبو شقرا بمثل فرنسي يربط ازدهار القطاع العقاري بانتعاش عشرات المهن والقطاعات الاقتصادية الأخرى. ويشدد على ضرورة إعادة النظر في طبيعة المشاريع السكنية، من خلال توفير شقق بمساحات أصغر وخدمات أفضل وأسعار مقبولة، تتناسب مع إمكانات أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، بدلاً من المشاريع الكبيرة التي كانت سائدة في مراحل سابقة.
أما اجتماعياً، فقد بات السكن عاملاً مؤثراً في قرارات أساسية لدى الشباب اللبناني، من الزواج وتأسيس عائلة إلى الاستقلال المادي وحتى الهجرة. فبين راتب لا يكفي لتغطية القسط، وإيجار يستنزف جزءاً كبيراً من المدخول، يجد كثيرون أنفسهم أمام خيارات محدودة، فيما يتحول امتلاك منزل من حق مرتبط بالاستقرار إلى مشروع يحتاج إلى سنوات طويلة من الادخار. وفي محاولة لطرح بدائل، برز مشروع الإيجار التملكي الذي تحدث عنه رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمصرف الإسكان أنطوان حبيب، والقائم على إتاحة تملّك الوحدات السكنية عبر دفعات تمتد بين ١٠ و٢٠ عاماً. ورغم أهمية الفكرة، يبقى نجاحها مرتبطاً بآليات التنفيذ، وكلفة الوحدات السكنية، وقدرة المستفيدين على الالتزام بالدفعات، فضلاً عن مدى وصولها إلى الفئات الأكثر حاجة.
في المحصلة، تشكل عودة قروض الإسكان خطوة إيجابية بعد سنوات من غياب التمويل المصرفي، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة تتداخل فيها الرواتب وأسعار العقارات وضعف السياسات السكنية. فالتحدي لم يعد محصوراً بحجم الأموال المتاحة للإقراض، بل بقدرة اللبنانيين على الاستفادة منها من دون التضحية بالجزء الأكبر من مداخيلهم.
وبين قرض يصل إلى ١٠٠ ألف دولار، ودخل عائلي قد لا يتجاوز نصف المبلغ المطلوب لتأمين معيشة مستقرة مع تسديد الأقساط، يبقى السؤال الأهم: هل ستعيد قروض الإسكان الشباب إلى منازلهم في لبنان، أم أن امتلاك منزل سيبقى حلماً لا يتحقق إلا بعد سنوات من العمل في الخارج؟

