ترجمة - الأفضل نيوز
تتوجّه "إسرائيل" إلى صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء، ولذلك أجريتُ أحد تلك الاختبارات المتاحة عبر الإنترنت لمعرفة الحزب الذي يُرجّح أن أصوّت له، لو كنتُ يهودياً متديّناً بقدر ما أنا مسيحي متديّن. وجاءت النتيجة مفاجئة: حزب إسلامي يُدعى "راعم" (القائمة العربية الموحدة).
كانت معظم إجاباتي محافظة، بدءاً من معارضة زواج المثليين، وصولاً إلى تأييد زيادة الإنفاق الدفاعي، فضلاً عن حظر الخبز المختمر خلال عيد الفصح اليهودي. لكنّني وضعتُ علامة في خانة "الانسحاب من غزة"، فتحوّل اختيار الخوارزمية إلى حزب عربي. وهذا يذكّرنا بأنّ اليهود والمسلمين المتديّنين يشتركون ثقافياً في أمور أكثر ممّا يرغبون في الاعتراف به. كذلك، فإنّ غياب حزب يهودي جاد يدافع عن إقامة وطن قومي للفلسطينيين يشير إلى أنّ حلّ الدولتين قد انتهى. فهناك إجماع في "إسرائيل" بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر على أنّ الأمن يأتي أولاً.
إذاً، عمّ تدور هذه الانتخابات؟ عن بنيامين نتنياهو، تأييداً أو معارضةً. فالائتلاف الذي يسعى إلى إعادته إلى منصب رئيس الوزراء يرى أنّه أنقذ "إسرائيل" في أحلك ساعاتها، فيما يرى معارضوه أنّه يعرّضها للخطر. والتحليل الموضوعي يدعم الرأي الثاني.
وخلاصة القول إنّ الدستور يمنح الأحزاب الصغيرة نفوذاً لا يتناسب مع حجمها، ما يسمح للمصالح الفئوية بالتحكّم بالقرارات. وقد حاولت لجنة الانتخابات المركزية، المنحازة سياسياً، بالفعل منع حزب "راعم" من خوض الانتخابات، رغم أنّه حزب سلمي ويرشّح يهوداً على قوائمه. لكنّ المحكمة العليا تدخّلت لإبطال قرار المنع.
"بيبي" قدّم بقاءه السياسي على المدى القصير على مستقبل بلاده. فـ"إسرائيل" لا تعيش في سلام تحت قيادته، بل تخوض حروباً على جبهات عدّة. والصراع مع إيران، الذي دعمه "بيبي"، ألحق ضرراً بالاقتصاد الأميركي وشوّه سمعة "إسرائيل"، حتى داخل صفوف الجمهوريين. ومن المرجّح أن تتحوّل معارضة غزو غزة إلى اختبار حاسم للمواقف في الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي.
وفي وقت تتنامى فيه معاداة السامية في أوساط متعدّدة، يسارية ويمينية، إسلامية ومسيحية، يمكن تقديم حجّة مأساوية مفادها أنّ حرب غزة جعلت المجتمعات اليهودية حول العالم أكثر عرضة للخطر، لا أقل.
وقد تصدّى سياسيون غربيون من التيار السائد لهذه الموجة، لكنّ مصداقيتهم تضرّرت بفعل المشاهد المصوّرة من ساحات القتال. فعندما يقف سياسي أمام كاميرا التلفزيون ليقول إنّ "إسرائيل تبذل قصارى جهدها في وضع صعب"، بينما يستطيع الناس أن يشاهدوا على هواتفهم الركام والأشلاء، وأمهات يبكين أطفالهن القتلى، فإنّه يضع العقل في مواجهة القلب. وقد خسر العقل هذه المعركة قبل نحو ثلاث سنوات.
لا مفرّ من حقيقة أنّ غزة أصبحت فيتنام هذا العصر، وأنّ الطريقة التي أدار بها نتنياهو هذا الصراع قد نفّرت جيلاً كاملاً من الصهيونية.
واليوم تراجعت قضية إنشاء وطن قومي لليهود أمام المطالبة بإقامة دولة فلسطينية.
لقد غيّرتني غزة بالتأكيد. فقد جعلتني أكثر تعاطفاً مع النزعة الأممية والحقوق المدنية، وأكثر رفضاً للعنصرية بكلّ أشكالها، وأشدّ نفوراً من الحروب التي لا تحصد سوى ثمار مسمومة.

