طارق ترشيشي_خاص الأفضل نيوز
من الرياض إلى إسلام آباد وأنقرة، وصولاً إلى طهران، تتحرك عواصم إقليمية لمنع انفجار مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. لكن اجتماع طهران يطرح سؤالاً يتجاوز خفض التصعيد: هل بدأت المنطقة تبحث عن أمن تصنعه دولها بنفسها، أم أن الجميع يحاول شراء الوقت في انتظار اتضاح نتائج النزاع؟
يشكل اجتماع المسؤولين السعوديين والباكستانيين والأتراك مع القيادة الإيرانية محطة سياسية لافتة في مشهد إقليمي شديد الاضطراب. فقد اجتمع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين، مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومسؤولين أمنيين إيرانيين، في خطوة تهدف إلى احتواء التوتر وتعزيز الحوار في شأن أمن المنطقة.
وتكمن أهمية الاجتماع في طبيعة المشاركين، وفي توقيته، وفي هوية الدولة المضيفة. فالسعودية وباكستان وتركيا هي أطراف اتفاق الدفاع المشترك الذي أُعلن عنه في مكة، فيما تستضيف طهران هذه الدول في وقت تتصاعد المخاوف من تجدد المواجهة الأميركية ـ الإيرانية. وقد اتفق المشاركون على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون الإقليمي، لكن ذلك لا يعني أن تحالفاً أمنياً جديداً قد تأسس بالفعل.
وفي معرض الإجابة على سؤال: لماذا تذهب أطراف حلف مكة إلى طهران؟ تجيب مصادر ديبلوماسية أن الرسالة الأولى من هذه اللقاء هي أن السعودية وباكستان وتركيا لا تريد أن تتحول الترتيبات الأمنية الجديدة بينها إلى حاجز يمنع التواصل مع إيران، أو أن يُفهم التعاون الدفاعي بينها على أنه اصطفاف تلقائي في مواجهة طهران. فالاتفاق الدفاعي يمنح الدول الثلاث إطاراً للتعاون، لكنه لا يلغي حقيقة أن إيران لاعب أساسي في معادلات الأمن الإقليمي، وأن تجاهلها لا يؤدي إلى استقرار مستدام. ومن هنا، يبدو الاجتماع محاولة للفصل بين بناء القدرات الدفاعية وبين الدخول في مواجهة إقليمية مفتوحة.
أما بالنسبة إلى السعودية، فإن منع تجدد الحرب يمثل مصلحة مباشرة، في ظل المخاطر التي قد تطاول أمنها ومنشآتها الحيوية، فضلاً عن تداعيات التصعيد على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي. وتحتاج الرياض إلى بيئة إقليمية تسمح لها بالتركيز على أولوياتها التنموية، بدلاً من العودة إلى دوامة المواجهات المكلفة.
وبالنسبة إلى باكستان، فإن مشاركتها تعزز دورها وسيطاً بين أطراف متعارضة، مستفيدة من علاقاتها مع طهران والرياض وواشنطن. أما تركيا، فتسعى إلى الحفاظ على موقعها قوة إقليمية مؤثرة، قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف والمشاركة في صياغة الترتيبات الأمنية المقبلة.
اما بالنسبة الى إيران فإنها تبحث عن اعتراف بدورها في أمن المنطقة ولذلك فإن استضافتها الاجتماع في طهران تشكل دلالة مهمة بالنسبة إلى القيادة الإيرانية. فبعد تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تسعى إيران إلى تثبيت فكرة أن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى من دون مشاركتها، وأن دول المنطقة قادرة على تطوير تفاهمات تتجاوز الاعتماد على القوى الخارجية. وقد دعا بزشكيان إلى تعزيز الوحدة الإقليمية وتسوية الخلافات بالحوار، فيما تحدث مسؤولون إيرانيون عن إمكان تطوير آليات أمنية تنطلق من مصالح دول المنطقة نفسها.
لكن طهران تواجه معادلة معقدة: فهي تريد تخفيف الضغوط ومنع تجدد الحرب، وفي الوقت نفسه لا تريد أن يُفهم الانفتاح الديبلوماسي باعتباره قبولاً بالشروط الأميركية أو تراجعاً عن مصالحها الاستراتيجية. لذلك، فإن نجاح المبادرة يتوقف على قدرة إيران على ترجمة خطاب التعاون إلى خطوات ملموسة، تشمل خفض التصعيد، وبناء الثقة مع جيرانها، والتوصل إلى تفاهمات في شأن الملفات التي تثير مخاوفهم.
وإذ تسأل الأوساط الديبلوماسية : هل نحن أمام نظام أمني إقليمي جديد؟ تجيب: هنا تكمن الدلالة الأبعد للاجتماع. فالمسألة لا تتعلق فقط بوساطة مؤقتة لمنع اندلاع الحرب، بل باحتمال الانتقال نحو تصور جديد للأمن الإقليمي، يقوم على مشاركة الدول المعنية في إدارة خلافاتها بدلاً من ترك مصير المنطقة رهناً بالتفاهمات الأميركية وحدها
غير أن الطريق إلى هذا النظام لا يزال طويلاً. فالسعودية وتركيا وباكستان وإيران تختلف في تقديراتها للتهديدات، وفي علاقاتها بالقوى الدولية، وفي رؤيتها لمستقبل التوازنات الإقليمية. كما أن الدعوة إلى أمن إقليمي مستقل لا تعني الاستغناء عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية، بل تعني محاولة تقليص الاعتماد الكامل عليها، وبناء قنوات تواصل تمنع تحول كل خلاف إلى مواجهة عسكرية. وإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة هذه الدول على الاتفاق على قواعد واضحة لعدم الاعتداء، واحترام السيادة، ومعالجة الأزمات بالوسائل الدبلوماسية، وتطوير آليات للتشاور عند وقوع الحوادث أو تصاعد التوتر.
هل تستطيع الدبلوماسية منع الحرب؟ تجيب الأوساط الديبلوماسية: لا يمكن تجاهل أن الاجتماع يأتي في ظل تهديدات أميركية بتجدد العمل العسكري ضد إيران، وفي بيئة إقليمية تتداخل فيها ملفات الخليج واليمن ولبنان وفلسطين. لذلك، فإن أي تفاهم بين الدول الأربع قد يساهم في تخفيف مخاطر سوء التقدير وفتح قنوات لنقل الرسائل بين الأطراف المتخاصمة. لكن لا ينبغي المبالغة في دلالاته. فاجتماع المسؤولين والتوافق على استمرار الحوار لا يضمنان التوصل إلى اتفاق شامل، ولا يعنيان أن أسباب النزاع قد زالت. كما أن قدرة الدول الإقليمية على التأثير في القرار الأميركي والإسرائيلي تبقى موضع اختبار. وتحتاج الوساطة إلى أكثر من الدعوات العامة، فهي تتطلب تفاهمات بشأن أمن دول الخليج، والهجمات العابرة للحدود، والملف النووي الإيراني، ومستقبل المواجهة مع إسرائيل، فضلاً عن ضمانات تحول دون العودة إلى التصعيد عند أول خلاف.
أما بالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه التحركات أهمية خاصة، لأن استقراره يرتبط إلى حد بعيد بمسار العلاقة بين إيران والسعودية، وبطبيعة المواجهة الإسرائيلية ـ الإيرانية، وبقدرة القوى الإقليمية على منع اتساع الحروب. فإذا نجحت الاتصالات في فتح مسار مستدام لخفض التصعيد، فقد تتراجع مخاطر انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى، بما فيها لبنان. وقد تتيح التفاهمات الإقليمية مساحة أوسع لمعالجة ملفات الحدود والانسحاب وإعادة الإعمار، وتعزيز دور الدولة اللبنانية. أما إذا بقي الاجتماع في حدود تبادل الرسائل واحتواء الأزمة مؤقتاً، فإن لبنان سيظل معرضاً لتداعيات النزاع، من دون أن يمتلك الأدوات الكافية للتحكم في مساره.
لكن الرهان اللبناني لا ينبغي أن يقتصر على تفاهمات الخارج. فاستعادة الدولة سيادتها تحتاج أيضاً إلى حوار داخلي جدي، وإلى توافق على حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية، وإلى سياسة خارجية تحمي المصالح الوطنية وتجنب البلاد الانخراط في مواجهات لا تقرر نتائجها.
وفي اي حال، فإن اجتماع أطراف حلف مكة في طهران لا يعلن ولادة نظام إقليمي جديد، لكنه يكشف عن إدراك متزايد لدى قوى المنطقة أن استمرار المواجهات يهدد الجميع، وأن تجاهل إيران أو محاولة عزلها لا يوفران بالضرورة الأمن والاستقرار. وتكمن أهميته في أنه يفتح نافذة للتواصل بين أطراف تجمعها مصالح مشتركة وتفصل بينها خلافات عميقة. غير أن تحويل هذه النافذة إلى مسار دائم يتطلب التزامات متبادلة، وآليات واضحة للتشاور، واستعداداً لمعالجة أسباب النزاع، لا الاكتفاء بتأجيل انفجاره. والسؤال الذي سيحدد قيمة اجتماع طهران ليس ما إذا كان المشاركون قد اتفقوا على مواصلة الحوار، بل ما إذا كانوا قادرين على بناء قواعد تمنع الحرب وتحد من التدخلات الخارجية وتحفظ سيادة الدول.
فبين نظام أمني إقليمي لم تتضح معالمه بعد، وهدنة ديبلوماسية قد تكون مؤقتة، تقف المنطقة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع دولها الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار، أم ستبقى أسيرة توازنات القوة وانتظار قرارات العواصم الكبرى؟

