أشار الوزير السابق حسن مراد أن “في كل مرحلة من مراحل الزمن ودورة من دورات التاريخ تطرح الأسئلة عن لبنان، هذا البلد الصغير الذي اختاره القدر ليكون في قلب العالم لاعبا أو ملعبا تتم فيه صياغة المتغيرات الدولية والإقليمية، فلا يمكن لأي قارئ سياسي أو جيوسياسي موضوعي إلا أن ينظر إلى لبنان ليس فقط بحجم مساحته أو عدد سكانه بل بثقل دوره وتنوع مجتمعه وعمق وتقدم وثقافة مواطنيه”، جاء كلامه خلال احتفال بعنوان “لبنان المدني” بدعوة من التيار الوطني الحرّ الذي أقيم في مركز اللقاء الربوة صباح اليوم.
ولفت أن “لبنان لم يعرف قبل العامِ 1842 الطائفية السياسية، ذلك أن أبناؤه اعتمدوا نظاماً سياسياً غير طائفي يلبي مصالح الطوائف على أساس العلاقات الوظيفية والتعاون في المجالين العسكري والسياسي، أي أن الانقسام كان حزبيا – سياسيا ولم يكن طائفيا مذهبيا، إلا أن هذا النظام السياسي سقط بعد فتنتين داخليتين حصلتا في العامين 1841 و1860، وحل محل النظام المذكور نظام طائفي – سياسي تحميه الدول الكبرى لازالت تداعياته مستمرة حتى الآن”.
وأضاف “برزت بيروت لؤلؤة ومنارة ثقافية وفكرية يشع نورها ليضيئ العالم وسمي لبنان بسويسرا الشرق فازدهر ونما في حقبة ذهبية نتيجة لتوفر الإرادة المحلية للإنجاز المتمثلة بالرئيس الراحل فؤاد شهاب والإرادة العربيةِ المتمثلةِ بالزعيمِ جمال عبد الناصر الذي عرفَ أهميةَ دورِ لبنانَ ووقفَ سداً أمامَ تدخلاتِ الدولِ به”.
وفي هذا السياق، قال “لا جدال في أن المشهد الذي يحدث في لبنان مشهد مريب وفريد، ومختلف تماما عن سابقيه في كل الأحداث التي مر بها منذ نشأته”، وأضاف أن “الفساد والهدر بلغا حدا لم يعد من الممكن أو الجائز السكوت عنه، والأزمة الإقتصادية الخانقة التي يعيشها الناس إضافة إلى الغلاء الفاحش للأسعار أصبحا قنبلة موقوتة تكاد تنفجر كل لحظة، هذا عدا عن الشلل الحاصل في مرفق القضاء وفقدانه الكثير من إستقلاليته”. وتابع “دون أن ننسى إنهيار النظام المصرفي وفقدان الثقة به في الداخل والخارج، كل هذا كان كافيا للتغيير ولكنه بقي عاجزا عنه إلى أن أتى الزلزال المتمثل بإنفجار مرفأ بيروت ليهدم بقايا نظام لم يعد يصلح العيش في ظلاله”.
وذكر بحسب قول ميشال شيحا في كتاب “لبنان اليوم”، “ان لبنان لا يقوم إذا كانت كل طائفة تعيش والميزان في يدها، تضع وزيرا قبالة وزير وحاجبا قبالة حاجب، حينها يساق لبنان الى الحلول المستحيلة.” وأضاف “اذا فقد الحكم شرعيته وأفلت الزمام تصبح الدولة كسفينة بلا ربان تتقاذفها الامواج”.
وأكد أن “صدق ميشال شيحا، فلبنان للأسف لن يستمر إذا إستمر الوضع على حاله، فلا حل إلا بدولة المواطنة القوية القادرة، الدولة المدنية التي تقوم على العدالة الإجتماعية، دولة الطائف الذي لم ينفذ وليس دولة الطوائف التي نهشت البلد، هي الدولة التي تقوم على اقتصاد منتج يتعزز فيه دور الصناعة والزراعة وتتخلى فيه عن سياسة الديون والاقتصاد الريعي”. وتابع “دولة المؤسسات وليس المحسوبيات، دولة حكم القانون وليس حكم الزعيم، دولة يقوم نظام الإنتخاب فيها على أساس لبنان دائرة إنتخابية واحدة خارج القيد الطائفي لإنتاج طبقة سياسية جديدة دولة قوية تسترد أراضينا المحتلة من العدو الصهيوني وتحافظ على ثرواتنا من أطماعه ولا تسمح له بانتهاك سيادتنا ليل نهار”.
وأضاف “دولة يكون القضاء فيها حرا وليس قضاء وقدرا، دولة تكون المؤسسات الأمنية فيها للوطن وليست للطوائف، دولة لا يعتبر الفاسد فيها زعيما والشريف فيها منبوذا، دولة النمو والحداثة فيها تتجسد بالأفعال وليس بخطابات تلقى في المنابر، دولة تعرف جيدا دور لبنان وتاريخه وأهمية موقعه الجغرافي ولا تجعله ملحقا أو تابعا ذليلا، دولة تؤمن أن قوة لبنان في قوة جيشه ومقاومته ولم تكن يوما بضعفه، دولة تقوى بالتنوع الطائفي والمذهبي ولا تستغله في زرع الفتن لأغراض السياسة، دولة يرى فيها أولادنا مستقبلهم الزاهر وليس مطارا يهاجرون منه”.
وتابع متوجهاً للحضور أن الدولة المدنية الحقيقية هي رؤية للغد الأفضل من أجل جيل شبابي يؤمن بلبنان المساواة وتكافؤ الفرص فيه، لا مكان فيه للتمييز الطائفي، مؤكداً أن تطبيق مفهوم الدولة المدنية يساهم بالخروج من فكرة الرعايا الى فكرة المواطنة وهذه النظرة ستساهم بتأسيس نظام سياسي للبنان مختلف عن النظم السياسية التي تتبدل كل 15 عاما والتي أثبتت فسادها وعجزها عن إدارة الأزمات.
وأكد أن الدولة المدنية هي التي تحاكي أساليب الحكم العصرية التي تفتح نوافذها لآراء الشباب والطاقات العلمية دون تمييز. ونقيض الدولة التسلطية التي تتمركز فيها السلطات بيد الحاكم، ونقيض الدولة التي تكون فيها الإرادة الشعبية مستبعدة مستعبدة. ونقيض الدولة التي يسود فيها الفكر الصدامي ورفض التلاقي على ثوابت وطنية واستبعاد الخلافات مع قبول حق الاختلاف.
وتابع مقدراً التيار الوطني الحر على هذه الدعوة آملاً الوصول إلى شبه توافق مجتمعي عام عليها.
ولفت أن إتفاق الطائف هو السبيل الوحيد للخروج بالوطن نحو مستقبل أفضل وهذا ينطلق بداية من تطبيق كامل بنوده وإقرار القوانين التي لم تقر أو تطبق حتى الآن. وذكر منها إنشاء مجلس الشيوخ، وإقرار قانون إنتخابي عادل يقوم على الدوائر الكبرى أو الدائرة الواحدة خارج القيد الطائفي مع إلغاء الطائفية السياسية، وكذلك قانون اللامركزية الإدارية يجب أن يأتي متوافقا مع المبادئ التي وردت في الفقرات “ز” “ط” و”ي” من مقدمة الدستور والمادة الأولى منه.
وأكد أن هدف الأساس من اعتماد اللامركزية الإدارية هو تحقيق الإنماء المتوازن بين مختلف المناطق. وقانون اللامركزية الإدارية الذي لا يؤمن الانماء المتوازن فعليا، يكون قد ابتعد عن تحقيق غايته وخرق مقدمة الدستور اللبناني الذي ينص في الفقرة “ز” منه أن “الإنماء المتوازن ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام”.
و تابع أن من جهة أخرى، فقد نصت الفقرة “ط” من المقدمة، أن: “أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين”. بموازاة هذه الفقرة نصت المادة الأولى من الدستور على أن “لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة”. بالتالي إن المشروع الذي يتمتع بخلفية ميثاقية هو المشروع الذي يحافظ على وحدة الدولة بعيدا عن أيِ نوع من أنواع الفدرلة أو التقسيم، ويتجه إلى إدارة التنوع ضمن الوحدة.
وأضاف أن “في ظل ما سبق يمكن مناقشة كل النقاط مع تحفظنا على موضوع اللامركزية المالية الموسعة لاعتبارات متعددة أبرزها التطورات في الموارد الذي يمكن أن يؤدي إلى الفروقات المالية داخل الوطن الواحد ولما قد تدغدغ عند البعضِ من أحلام الجنون والدمار التي لم يستفيقوا منها حتى تاريخه”.
وبالاستناد عليه أكد أن “أي قانون يناقش موضوع اللامركزية يجب أن يحافظ على العيش المشترك فيأتي بالتالي متوافقا مع الفقرة “ي” من مقدمة الدستور التي رفعت الشرعية عن أيِ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.
وأشار أنه قد أتى في مشروع الوثيقة الحاضرة محور يختص في إقرار قانون موحد وموحد للأحوال الشخصية، وفي هذا الإطار ورغم التحفظ على هذا الموضوع لإعتبارات لا يتسع الوقت حاليا لذكرها إلا أن إطلاق نقاش مجتمعي جدي وحقيقي بين القوى السياسية وقوى المجتمع المدني والمرجعيات الدينية حول هذا الأمر هو صحيا للغاية ويقرب وجهات النظر ويحقق الغاية في إطار دولة المواطنة التي نسعى إليها.. وذكر أن لبنان ليس دولة دينية ولا عسكرية بل دولة نظامها مدني وان كان ذلك ملتبسا بعض الشيء في كيفية التطبيق وواقع الحال. وتابع أن الإستثناء الوحيد الذي أعطى فيه الدستور صلاحية التشريع للطوائف الدينية هو المتعلق بالأحوال الشخصية للطوائف المعترف بها في لبنان وهذا الإستثناء لم يخرجها فعليا من إطار الدولة المدنية. وأشار أن معالم الدولة القائمة في لبنان دولة مدنية لكنها مفتقدة لمفهومي المواطنة والسلطات الوطنية وهي ما اصطلح على تسميتها بالدولة الطائفية ما يقتضي إلغاء الدولة الطائفية كي تبقى الدولة المدنية بمعانيها الحقيقية.
واختتم خطابه قائلاً: “لبنان على مر العصور لم يتخل عن دوره ولن يتخلى عنه ولن يتخلى عن هويته العربية وانتمائه العربي وانتصاره لقضايا العرب”، و تابع بقول من البابا يوحنا بولس الثاني “لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة. فلا تمزقوا الرسالة وإن كنتم لا تقرأوون”..

