وفاء ناصر - خاصّ الأفضل نيوز
هي قطعةُ قماشٍ لا حياةَ فيها تُقولبُها رغباتُنا في شكلٍ محدّد مُقتنصة من الألوان ما يُرضينا. تُحيكها أيادٍ ماهرةٌ بكثيرٍ من الفنّ والحبّ أو تُحيلها إلى آلة حياكة لتصنعها بإتقانٍ يُوازي الاحتراف، نُرفقها بإكسسوارات معيّنة ونصبغُها بصفةّ محدّدة، فنسقطُ عليها رمزيّة فريدة تصبح معها قطعةُ القماش "رمزًا" أو مثالًا بغض النّظر عمّن يرتديها.
تطوّرت وظائفُ اللّباس مع تقدّم المجتمعات البشريّة وتعقّد نَظمها. ولم تعُد مقتصرة على الوقاية والحماية، بل تحوّلت إلى وسيلة أساسيّة للتّمييز بين الأفراد مع تطوّر البناء الاجتماعي وظهور التّمايز الطّبقي.
وفي خضمّ الحديث عن اللّباس لا يمكننا تجاهل أساسه الاجتماعي- الثقافي كما الأثر الذي يخلّفه. فهو إذ يعبّر عن "الهويّة"، يكشفُ أمورًا تتعلّق بالسّلطة والجاه والمستوى الاقتصادي- الاجتماعي والثقافي للفرد والمجتمع على حدٍّ سواء. كما يزوّدنا بمعلومات عن التاريخ.
غير أنّ الإشكاليّة تبدأُ حينما يصعبُ فصل الزّيّ عن شخصيّة الفرد بحيث يتمّ التّعامل معه على أنّه "تابو" لا مجال لمساءلته أو التّعارض معه، بينما الحقيقة أنّه مسؤوليّة حقيقيّة لا يختلف اثنان في تحديدها، وعلى من يلبسه الحفاظ على وقاره واحترامه والتّرفّع عمّا قد يُسيء إليه.
كما تكمنُ المفارقةُ حينما يتماهى الفرد بالخطوط العريضة لما يرتديه ويندمج معها حدّ ذوبان الشّخصية، بحيث تفرض تأثيرها على الآخرين. وهذا ما يفسّر ارتباط هالة وقيمة بعض الشّخصيات، في جزء منها، باللّباس الذي يُشكّل بدوره حصنًا منيعًا يلجمُ إمكانية التّطاول عليها.
وللأسف يستغلُّ البعض هذا الأمر، فيُمعن في تجاوز القواعد ضاربًا عرض الحائط المكانة الاجتماعية التي ينتمي إليها والمسؤولية المترتّبة عنها، وما يمكن أن تخلّفه من آثار عكسيّة على الآخرين ممّن يختبرون التّناقضَ بين رمزيّة الزّي "التابو" الذي يمنع انتقاد من يرتديه عند الخطأ ويضمن بقاءه في برّ الأمان وبين الواقع المُعاش.
بيْد أنّ اعتماد أسلوب الإفلات من العقاب متذرّعًا بهيبة البزّة أو الزّي يقلّل من شأن المركز الذي ينتمي إليه الفرد وينال من دوره حينما تُساء الأمانة ويخلّ بالواجب بأنانيّة مفرطة وعنجهيّة غير مبرّرة، وعندما يستغلّه لنشر الذّعر في صفوف من حوله لتعويض نقص ما.
كذلك يدفَعُنا الزّي، بما له من تأثير، إلى إعطاء حكم مسبق على الشّخص حتى لو لم تربطنا به علاقات شخصيّة أو اجتماعيّة الطّابع. وهذا ما يتجلّى في نظرتنا إلى رجال الدين، القضاة، القانونيين، العسكر... حتّى بات احترام قطعة القماش التي تغطّي الجسد واجبًا أخلاقيًّا ينحو أحيانًا نحو الوطنية، دون مبرّر منطقي لهذا الإسقاط وأسلوب التفكير الذي بدوره ينقل العلاقة بين الأفراد إلى علاقة بين شخص ومادة مع ما تُرسيه هذه المادة من قواعد بحسب الدور الذي تجسّده والقيمة الإجتماعية التي تتبنّاها.
والملاحظ، أنّ المتلقي، في البيئات الاجتماعية التي تتأثر بالمادة بشكلٍ مطلقٍ وتترجمه احترامًا، ينصاعُ آليًّا لهذا "المتغيّر" ويندمج معه، وبعفويته يعظّم من شأن الآخر على حساب تقدير ذاته ويذوب في بوتقته. ويغيبُ عن باله أنّ الأصل هو الفرد بأخلاقه ونظافة كفّه وحسن تعامله مع الآخرين...
فالمركز يتغيّر وتنحسر معه الصّلاحيات، "البدلة" تتلاشى قيمتها بانتهاء الدور وتختفي معها عناصر القوة، الأموال معرّضة للخسارة والتّبخّر،... لكن تبقى شخصيّة الفرد وأعماله راجحة في كفّة الميزان بغضّ النّظر عن الاكسسوارات المهنيّة والثّقافيّة المعبّرة عن انتمائه إلى بيئة ما.
فلا أهميّة للزّي إن لم يُحسن صاحبه استغلال المركز الذي يشغله لصالح الشّأن العام وخدمة المجتمع.

