يحيى الإمام / خاص الأفضل نيوز
إن ما يشهده الكيان الصهيوني اليوم من تظاهرات حاشدة عمّت شوارع فلسطين ومدنها ووصلت إلى الكنيست في القدس المحتلة وما سبق ذلك من أزمات معلنة وغير معلنة، ليهددُ إسرائيل بخطر وجودي كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت.
فمن يتابع الإعلامَ الإسرائيلي يذهل من تسارع الأحداث ويدرك أن هدف التظاهرات لم يعد الاعتراض على التعديلات القضائية المطروحة، وبالتالي عزل نتنياهو لوزير الحربية الإسرائيلي يوآف غالانت بسبب إخفاق الجيش في محاصرة المتظاهرين وحفظ الأمن، بل إن هذه التظاهرات المتزايدة قد عبّرت عن عمق الهوّة وحجم الأحقاد والتناقضات بين مكونات المجتمع الإسرائيلي التي جُمّعت بالترغيب والترهيب على أرض فلسطين الحبيبة.
ولعل الأخطر على الكيان الصهيوني، حسب تعبيرهم، هو ما دعا إليه وزير الأمن القومي المتطرف بن غفير من تظاهرات مضادة تجوب الشوارع اعتباراً من اليوم الثلاثاء كردّة فعل على التظاهرات المتزايدة والعصيان المدني للبلديات، وتوقف حركة الطيران المدني، وإضراب السفارات الإسرائيلية في العالم لأول مرةٍ منذ نشأة هذا الكيان الهجين، وإغلاق الأسواق التجارية، وتوقف الجامعات، بالإضافة إلى حالات التمرد والهروب من الخدمة العسكرية لدى كثير من ضباط وعناصر الجيش الإسرائيلي، وهو السبب الذي دفع نتنياهو إلى عزل وزير الحربية المذكور واتهامه بالفشل في معالجة الوضع الأمني وفي تفاقم حالة الغضب الشعبي.
وأكثر من ذلك فقد ذهب أحد الحاخامات اليهود إلى الحديث عن" الخراب الثالث" لإسرائيل، ليعيدَ إلى الأذهان عقدة الصهاينة المعتدين من نبوخذ نصّر الذي جرَّ "أجدادَهم"، حسب زعمه، في الخراب الأول، إلى بابل وهم مقيدون بالسلاسل، وليؤكد أن إسرائيل فعلاً ستنهار قريباً وأنها لن تعيشَ طويلاً في هذه المنطقة.
وفي المقابل فإن تنامي المقاومة في الداخل وتزايد قوتها وقدرتها على تنفيذ العمليات الفدائية النوعية، وخروج سورية من عزلتها وعودة العرب إليها وانفتاحها على العرب، واتفاق إيران مع المملكة العربية السعودية برعاية صينية ومباركة روسية، وبالتالي وقف مسلسل التطبيع مع العدو وشعور إسرائيل بالخيبة والخسران والإخفاق ، وغير ذلك من عوامل ومستجدات جعلت محور المقاومة أكثر ارتياحاً وثقةً في تحقيق الإنجازات في المستقبل القريب القادم.
لقد كانت إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية، تعتقد أنها تستطيع أن تؤمن مدةَ البقاء الأطول في منطقتنا من خلال القضاء على الجيوش العربية وإضعافها وتغيير عقيدتها القتالية منذ حرب 1948 وحتى الغارات المتكررة على الجيش العربي السوري بحجة ضرب أهداف إيرانية، بالإضافة إلى الحصار الاقتصادي الجائر الذي تفرضه أمريكا على كل من سورية و لبنان وإيران وقطاع غزة وكل من يتمرّد على إملاءاتها ولا يحقق مصالحها، كل ذلك بات في نظرهم أمراً بالغَ الصعوبة لأن المقاومة صارت أكثر جهوزيةً وعدداً وعدّةً، وراحت تغير معادلات الصراع وتصنع شيئاً من توازن الرعب، وتحمي نفسها بمظلة تمتد من فلسطين إلى الصين، منطلقة من قناعة تمثلت بالعبارة الذهبية التي أطلقت بعد غزو العراق : " إن كلفة المقاومة أقل بكثير من كلفة الاستسلام".
لقد بات خيار المقاومة يؤتي أُكُلَه كلَّ حين، والنبوءة التي أطلقها أحد المبعدين إلى مرج الزهور الشيخ بسام جرار عام 1993 وصحّحها شيخ المجاهدين الشهيد أحمد ياسين بزوال إسرائيل قريباً كانت مبنيةً على حسابات قرآنية وعلى ثقة كبيرة بقدرة الشعب الفلسطيني والأمة العربية على التحرّر والتحرير وعلى تحقيق المعجزات إذا ما امتلكت الأمة إرادة الصمود والثبات، وباتت تتردّد اليوم على ألسنة المجاهدين بثقة أكبر بعد التطورات الإسرائيلية الأخيرة مصداقاً لقول الله تعالى في القرآن الكريم : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ).

