كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
أظهرَت مواقفُ رئيس حزب "القوّات اللّبنانيّة" سمير جعجع، من مسائل داخليّة محلّيّة، وأخرى مُرتبطة بتطوّرات إقليميّة ودوليّة، بأنّه لا يملك "ثقافةً سياسيّةً"، ولا يتابع الأحداث والمتغيّرات بواقعيّة وموضوعيّة، وليس لديه التّحليل الجيو-سياسيّ، في مقياس مصالح الدول، ولعبة الأمم، بل هو يعمل وفق رغباته وتمنياته، ممّا أوقعه في سقطات سياسيّة، كان ثمنها غاليًا جدًّا، على الشّعب اللّبناني، منذُ "الاتّفاق الثّلاثي" الذي وقّعه رئيس الهيئة التّنفيذيّة في القوّات اللّبنانيّة إيلي حبيقة مع رئيس حركة "أمل" نبيه بري ورئيس الحزب التّقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في دمشق وبرعاية سوريا، وحضر إلى جانب حبيقة قيادات مسيحيّة، فدبّر له جعجع انقلابًا مع رئيس الجمهوريّة آنذاك أمين الجميل، والذي أدّى إلى إخراج حبيقة من "المنطقة الشّرقيّة" مع مؤيّدين له، بعد قتل عشرات العناصر من القوات، وصبّ جثثهم بالباطون ورميهم في البحر قرب الكرنتينا حيث مقرّ القوّات.
هذا الانقلابُ الّذي قامَ به الجميل - جعجع، ضدّ الاتفاق الثّلاثي الذي أوصى بإنهاء الحرب الأهليّة، التي أشعلها جعجع من جديد، أوّلًا داخل "القوّات اللّبنانيّة" بتصفية مُعارضيه، وهو الاتفاق الذي تحوّل إلى اتّفاق الطّائف عام ١٩٨٩، ووافق عليه النّواب اللّبنانيّون، فتأخّر عن ما حصل نحو ثلاث سنوات، كلّفت لبنان قتلى ودمارًا، لا سيّما في "المنطقة الشّرقيّة" الّتي شهدت حربًا أسماها ميشال عون، بعد أن أصبح رئيسًا لحكومة عسكريّة ب "حرب التّحرير" ورفض اتفاق الطّائف الذي عاد وقبل به في العام ٢٠٠٥، وانتخب رئيسًا للجمهوريّة على دستوره، وأقسم اليمين عليه، بعد أن خاض "حرب إلغاء" ضدّ "القوّات اللبنانيّة" التي وافقت على الطّائف، بمباركة بكركي.
فاتّفاق الطّائف الّذي قبل به جعجع وتمَّ تعيين نوّاب له ووزراء، انقلبَ عليه في العام ١٩٩٢، بالتّشجيع على مُقاطعة الانتخابات النّيابيّة، ودعوته لحصر التّمثيل المسيحي به، كقوّة عسكريّة أثناء الحرب، لكن لم يستجب له، فتمّ توزير حبيقة وسليمان فرنجية وأسعد حردان، فدفعَ رئيسُ "القوّات اللبنانيّة" ثمنَ قراءته الخاطئة لتطبيق اتفاق الطّائف، السّجن لمدّة ١١ عامًا، بعد فتح ملفّات أمنيّة له، إثر تفجير كنيسة سيّدة النّجاة في شباط ١٩٩٤.
وفي أبرز قراءاته الخاطئة، وليس هو الوحيد، بل قوى سياسيّة أخرى أيضًا، ومنها جنبلاط، وراهنا على سقوط النّظام السّوري، وعلى رأسه الدكتور بشار الأسد، كما رهانهم الخاطئ عن رحيل الرئيس إميل لحود بعد الانسحاب السّوري في ٢٦ نيسان ٢٠٠٥، وخوض معركة "فل"، لكن ذلك لم يحصل، وخسرت قوى ١٤ آذار معركتي خروج لحود من القصر الجمهوري، تحت ضغط ما سمي "ثورة الأرز"، والرئيس الأسد تحت اسم "ثورة الياسمين" في عام ٢٠١١، فانتظر جنبلاط "جثّة عدوّه على ضفّة النّهر"، فلم تمر، وبقي الأسد صامدًا بوجه المؤامرة ١٢ عامًا، وتراجع المتآمرون عن مشروع إسقاط الأسد، لا بل إخراج سوريا من "محور المقاومة"، حيث بدأت الدول العربية تنفتح على سوريا، وتُعيد علاقاتها الدبلوماسية، ومن أبرزها السعودية، التي لم تنظر إلى موقف حلفائها، وتركتهم، وهو ما دفع جعجع إلى وصف الرئيس الأسد ب "الجثّة السّياسيّة"، وهذا ما ترك امتعاضًا في الرياض، التي ذهبت إلى عقد اتفاق مع إيران برعاية صينية، وهذا لم يكن محسوبًا عند حلفاء المملكة في لبنان، لا سيما جعجع الذي لا يُجيد قراءة التّحوّلات، كما جنبلاط الذي "يكوّع"، ونظر إلى الاتفاق بأنّه "ضربة معلم"، ولم يعمل على التّصعيد كما رئيس القوات الذي لم تصح قراءاته للأحداث فهذا يضع مستقبل القوات السّياسي، أمام مرحلة مصيريّة، فهل يرضخ جعجع للتّحوّلات، كما للتّسويات، ويبقى حيًّا سياسيًّا، أم يغامر، ويدخل في مواجهة التّسويات الكبرى، أو أنّ رغباته تأخذه إلى ما لا يعرفه، بسبب قراءته الخاطئة، التي دفعت القوّات ثمنها، كما البيئة المسيحيّة، وكذلك لبنان.
فمصالحُ الدّول، لا تنظرُ إلى حلفاء - أدوات، بل إلى حلفاء في صناعة القرار، وهذا ما يُنقص سياسيّين ومسؤولين في الأحزاب والمراجع الدّينيّة، حيث تأتي التّسويات على حساب لاعبين صغار.

