ممتاز سليمان - خاص الأفضل نيوز
لبنان هذا البلد الشّرق متوسّطي ودُرّة الشّرق العربي، وما كان يُعرف سابقًا بصلة الوصل بين الشّرق والغرب.
لبنان الّذي ومن حداثةِ استقلاله في أوائل أربعينيّات القرن الماضي كان عضوًا في أهم المؤسّسات الدوليّة كالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ومساهمًا رئيسيًّا في انتظام العمل المُؤسّسي على صعيد العالم،
لبنان ميشال شيحا وشارل مالك وعمر الداعوق وحسن الرفاعي وإدمون نعيم وغيرهم من رجالات العلم والفكر والسّياسة الذين وضعوا أولى لبنات الكيان اللبناني الحديث بمؤسّساته التي كانت تُعتبر ثوريّةً وعصريّةً في زمن كان محيطنا العربي يُعاني فقدان الهويّة والوطن والكيان.
لا شكّ بأنّ أرواح الآباء المؤسّسين للكيان ستتلوّى وتتعذّب عندما ترى بأنّ البلد المصنّف في طليعة البلاد منذ قديم الزّمان وصل إلى هذا الدرك من الانحطاط على المستويات كافّة، وإنّ مؤسّساتة الدستوريّة العاجزة أصلًا يجري إفراغُها وتفريغُها الواحدة تلوَ الأخرى لصالح تغذية الكيانات الحزبيّة ولتسجيل النّقاط في المُماحكات بين أمراء الطّوائف.
حاليًّا مسرحيّة أخرى تجري كواليسُها في إخراجٍ رديءٍ على خلفيّة إحالة حاكم المصرف المركزيّ على التّقاعد في أواخر الشّهر الحاليّ، وسط خوف من تلقّف كرة النّار الماليّة التي يحتضنُها منذ العام 2019، حيث علقت على شماعته كافّة الموبقات المُرتكبة منذ العام 1990.
ففي ظلِّ الشّغور الرّئاسيّ ووجود حكومة مُستقيلة تصرّف الأعمال يبدو تعيين حاكم جديد للمصرف المركزي متعذّرًا لا بل مُستحيلًا وسط انسدادٍ كاملٍ في الأفق السّياسيّ النّاتج عن تخبّط المكوّنات السّياسيّة وعدم وجود حدٍّ أدنى للاتّفاق فيما بينها.
وإذا كانت القوانين المرعيّة الإجراء تُعالج الفراغَ في المؤسّسات كافّة ومنها المصرف المركزي من خلال تولّي نائب الحاكم الأوّل لمهامه في حال تعذّر انتخاب أصيل، إلّا أنّ الثّنائي الشّيعي وتحديدًا حركة أمل المحسوب عليها النائب الأوّل ترفض تولّيه المهام لما في ذلك من مسؤوليّات سترتدُّ سلبًا عليها عند أيّ انعطافة ماليّة قادمة حتمًا.
واذا كان رياض سلامة قد استطاع منذ مدّة السّيطرة على سعر الصّرف عند حدود التّسعين ألف ليرة من خلال صيرفة، مؤازرًا بموسم سياحيّ زاخر بالعملة الصّعبة ما أضفى استرخاء واستقرارًا على سوق الصّرف، إلّا أنّه ثبات مؤقّت وآنيّ نتيجة فقدان المُعالجات البنيويّة التي لا يمكن أن تبدأ إلّا باستقامة المؤسّسات الدستوريّة وعلى رأسها انتخاب رئيس، وحكومة أصيلة فاعلة قادرة على إعادة عجلة دوران الحياة السّياسيّة المتوقّفة منذ أشهر، فإنّ التّخبّط الماليّ والاقتصاديّ عائدٌ لا محالة، بعد انتهاء الطّفرة الصّيفيّة.
وتجنّبًا للسيناريو الّذي لطالما تعرّض له رياض سلامة تسعى حركة أمل إلى الضّغط باتّجاه تعيين حاكم أصيل من خلال حكومة تصريف أعمال، حيث تجري اتصالات ومشاورات حثيثة خلف الكواليس لإقناع الثّنائي المسيحي بهذا الأمر الذي يرفضانه بشدّة انطلاقًا من موقفهم المبدئي في عدم جواز عقد جلسات حكوميّة في ظلّ الفراغ الرّئاسيّ.
من هنا جاءَ أرنب البيان الرّباعيّ الصّادر عن نوّاب حاكم مصرف لبنان لناحية تلويحهم بالاستقالة الجماعيّة في حال عدم تعيين حاكم أصيل قبل انتهاء ولاية سلامة، في محاولة للضّغط على مختلف الأطراف المعنيّة للسّير بموضوع التّعيين.
حتّى السّاعة لا حلحلة تلوّح في الأفق فيما الوقت يضيق بما يهدّد الفراغ في المؤسّسة الماليّة الأم، ما سيخلق حتمًا زلزالًا ماليًّا ونقديًّا في حال عدم تأمين انتقالٍ سَلِسٍ لمهام المركزيّ، قد تُساهمُ في اندفاعٍ صاروخيٍّ باتّجاه الارتطامِ الكبيرِ.

