هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
في خطابٍ لافت أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أظهر الرئيس الأميركي جوزف بايدن دعمه للمنظومة الأممية، متعهّدًا بأن تقوم بلاده بدور رائد في مكافحة تحديات الفقر والتغيرات المناخية، ومؤكّدًا على أنه لا يمكن لأي دولة مواجهة هذه التحديات بمفردها.
من جهة أخرى، أدان بايدن غزو روسيا لأوكرانيا وطالب دول العالم بمساندة
كييف.
- فهل يعكس خطاب بايدن تحوّلاً في السياسة الأميركية تجاه القضايا الإنسانية الملحّة؟ وهل سنشهد دورًا أكبر للأمم المتحدة في مواجهة أزمات العالم بدعم أميركي؟ وهل فات أوان الحوار مع روسيا في ما يتعلق بالأزمة الأوكرانية؟
بداية، إذا ما أردنا إجراء مقارنة بين خطاب بايدن في الأمم المتحدة بخطاب سلفه دونالد ترامب في عام 2019، يتبيّن أن ترامب شدّد على المصلحة الوطنية ورفع شعار "أميركا أوّلاً"، بينما نجد بايدن يتحدث عن مستقبل مشترك للبشرية وعن الوحدة وما إلى ذلك... ما يقودنا للسؤال التالي:
هل تستخدم واشنطن لغة جديدة تخاطب بها العالم؟
مما لا ريب فيه، أن "اللغة" الأميركية المستخدمة تستمد فحواها من الاستراتيجية الكبرى التي اعتمدها فريق بايدن قبل دخوله إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير من العام 2021، سعيًا لاستعادة ريادة الولايات المتحدة للعالم وترميم العلاقات مع أوروبا والحلفاء القدامى وكذلك الجدد. لكن وإن كانت هناك نبرة تركز على البعد الإنساني والتي تتماهى مع شعار هذه الجمعية العامة الثامنة والسبعين الـ78 وهي خطة التنمية المستدامة وماذا يمكن أن تقدم واشنطن في هذا الصدد؛ إلا أننا نجد أن بايدن كرّر مجموعة من المحاور التي سبق له أن تناولها في اجتماع الجمعية العامة العام الماضي، خصوصًا في ما يتعلق بالحرب الأوكرانية والموقف الراهن بين الغرب عمومًا وروسيا، كذلك على مستوى التنافس مع الصين وإن بدا، هذه المرة، أقل حدة في انتقاد الصينيين، مرحّبًا بمجموعة من التصورات للتعاون المشترك. بيد أن المستجد في سياق العلاقات الأميركية-الصينية يكمن في سعي بايدن لوضع منطقة الشرق الأوسط والهند ضمن الارتباط بالغرب عمومًا وبالمنظومة الأطلسية خصوصًا، نظرًا لبروز واقع جديد يتمثل بمجموعة "البريكس+" الجديدة، وكذلك التطورات التي تفرض نفسها على اجتماع مجموعة العشرين الأخيرة التي شارك فيها والتي عُقدت في نيودلهي الهند. إذن يمكن القول باختصار أن هناك استمرارية لجملة عناوين: الخط الديبلوماسي في بعده العالمي، وأيضًا بالنسبة للمواجهة مع روسيا، لكن تبرز إزاء بقية العالم نبرة التعاون والتفاعل الإيجابيَيْن والعودة مجددًا إلى الالتئام في الأمم المتحدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بايدن يبقى الرئيس الوحيد من بين رؤساء الدول الخمس الدائمة العضوية الذي يحضر اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في ظل غياب رئيس وزراء بريطانيا ورؤساء فرنسا والصين وروسيا.
إزاء ذلك كله، في رصيد الولايات المتحدة تاريخ إشكالي طويل من التدخلات السلبية في مناطق كثيرة من العالم فهل يمكن أن يتمتع هذا الخطاب "الإنساني" للرئيس بايدن بالصدقية لدى الأفقر على وجه الخصوص؟
من يتابع سياسة الولايات المتحدة منذ عقود حتى اليوم، يتّضح أن السياسة الأميركية عمومًا، وسياسة بايدن على وجه الخصوص، تعتريها إشكالية ثلاثية الأبعاد والأوجه: غياب الصدقية، وافتقاد الثقة، والفجوة الكبيرة بين الخطاب العلمي والفعل السياسي العملانية على أرض الواقع.
ذلك أن الرئيس الأميركي يعكف على التذكير دائمًا بأنه يقود حملة تاريخية فحواها الديمقراطية ضد الاستبداد والسلطوية، لكن دول العالم النامي لم تعد مقتنعة بهذا الخطاب "الألمعي واللغوي" لأن واشنطن تدعم، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وعلى مرأى من الجميع، تدعم الأنظمة الأكثر استبدادية في العالم والأمثلة هنا كثيرة ولن نأتي على ذكر النظم السياسية في منطقة الشرق الأوسط لأن في الفم ماء كثير.
لم يعد خافيًا على أحد أن الخطاب السياسي الأميركي يرمي للاستهلاك المحلي والخارجي، كما أن الرئاسة الأميركية بمفهومها الأشمل ليست مجرد مركز سياسي وإنما مركز و"منبر تبشيري" إذا جاز التعبير، يهدف إلى الترويج للسياسة الأميركية والليبرالية لم يعد يؤتِ أكله مع عديد من دول العالم النامي ودول الجنوب. ولعلّ أحدث مثال على ذلك يتمثل بأفريقيا حيث باتت موزعة بين ثلاثة تيارات: تيار يحاول الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة ولاحظنا كيف دفعت واشنطن باتجاه النيجر خوفًا من خسارة هذه العلاقة بحكم الأهمية الاستراتيجية والاستخبارية للقواعد الأميركية الثلاث في النيجر. فيما تحاول دول أخرى أن تنحو باتجاه الشرق نحو الصين وروسيا على غرار أثيوبيا ومصر ودول إفريقية أخرى التي انضمت الى مجموعة (البريكس+)، فيما يبقى تيار ثالث يمثل عددًا من الدول الإفريقية التي لم تحدّد بوصلتها بعد.
في سياق آخر، أبدى بايدن رغبته في تذليل العقبات والمشاكل التي تعتري العلاقات بين واشنطن وبكين؛ إلا أن الاستراتيجية الأميركية وممارساتها تناقض تمامًا ما تدعو إليه خطابيًا، بدءًا بزيادة عدد القواعد العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادىء، مرورًا بإنشاء تحالفات سياسية وعسكرية في مواجهة الصين على غرار "كواد" و"أوكوس" وغيرها الكثير مع فيتنام والفلبين سواهما، وصولاً إلى فرض قيود وعقوبات على الدول الأوروبية وغير الأوروبية الراغبة في الاستثمار في الذكاء الصناعي والتكنولوجي الصيني.
أما بالنسبة، لطلب بايدن من الدول المجتمعة دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا في ضوء الهجوم المضاد الذي تشنّه كييف ضد موسكو يتضح أن بايدن يعاني من احتباس استراتيجي في إدارة أزمة أوكرانيا في ضوء التململ الغربي وداخل أروقة الكونغرس الأميركي من تكاليف الحرب التي كلّفت الخزينة الأميركية عشرات المليارات دون جدوى حتى حينه، خصوصًا بعدما وصلت الحرب الروسية-الأوكرانية إلى ما يمكن تسميته "النزاع الممتد عبر الزمان" حيث لا زمن محدّد لنهاية الصراع الذي أرهق الجميع دون استثناء.
في المحصلة، كثيرة هي الانتقادات التي طالت خطاب بايدن الأخير ولعلّ القضايا العديدة التي طرحها وسعى للترويج لها تتناقض تمامًا مع الأداء السياسي التنفيذي والعملاني والذي من شأنه أن يبطل مفاعيل أي وعود تطلق في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد، الأمر الذي يعيدنا بالذاكرة إلى جدلية الفيلسوف الألماني غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل التي تتألف من الأطروحة ونقيض الأطروحة والتوليف بينهما.

