أكرم حمدان- خاصّ "الأفضل نيوز"
يحُلُّ تاريخُ الثامنِ والعشرينَ من شهر أيلول كلّ سنة ليؤكد المؤكد ، فهو ليس تاريخاً عادياً في حياة الأمة العربية والإسلامية وفي حياة البشرية جمعاء، ففي مثل هذا اليوم قبل 53 عاماً رحلَ عنّا بطل العروبة الثائر وأشرف رجالات الأمة العربية جمال عبد الناصر، رحل الهرم الرابع ، الذي أحوج ما نكون اليوم لاستعادة نهجه الثوري التحرّري ومشروعه النهضوي والعودة إلى فكره ومبادئه.
لقد غيَّرَ جمال عبد الناصر مجرى التاريخ ، وأنفقت أجهزة الاستخبارات العالمية وخصوصاً الأميركية والبريطانية، المليارات لتشويه صورته وثورته ، لكنه بقي وبعد مضي أكثر من نصف قرن على رحيلِه رمزًا للكرامة ولكل الأحرار والثوار على مستوى أحرار العالم.
فثوار إفريقيا المنتفضين بوجه الاستعمار الغربي اليوم ، يستلهمون ثورته من أجل حرية الإنسان وكرامته ، وصوره لم تُغادر ميادين النضال العربي من أجل التحرُّر والعدالة الاجتماعية وحق الشعوب في التنمية والثروة الوطنية وبناء مجتمع الكفاية والعدل، ومن أجل تحرير فلسطين.
نعم هذا هو جمال عبد الناصر، الهرم الرابع الذي لم تغِب شمسُه عن جغرافيا الأمة رغم كل ما جرى ويجري من موبقات من قِبل النظام الرسمي هنا وهناك ، فهو ورفاقه من الضباط الأحرار في ثورة 23 تموز /يوليو ، شقّوا طريقهم بين حلفي "الأطلسي" و"وارسو" وأعلنوا المشروع القوميّ العربيّ المنادي بوحدة العرب من المحيط إلى الخليج ومواجهة المشروع الصهيونيّ، الذي بدأ باغتصاب فلسطين وتشريد شعبها عام 1948، المُتَبَنَّى من قِبَل الاستعمار الغربيّ بقيادة وتوجيه الولايات المتّحدة الأميركيّة.
شكّلَ عبد الناصر و"تيتو" و"سوكارنو" منظّمة دُوَل عدم الانحياز وأقاموا العلاقات الوُدّيّة مع دول كبرى لا تنتمي إلى الحلفين اللدودَين اللذين يخوضان حروبًا باردة وقودُها الدول الناشئة الصغيرة والفقيرة.
فأين نحن في هذه الأيام وفي ظل إعادة صياغة النظام العالمي الجديد؟ وهل من عبد الناصر جديد في ظل انسداد الأفُق في مصر، كأكبر دولة عربيّة محوريّة واستفحال الأخطبوط الصهيونيّ في الساحات الرسميّة في معظم دُوَل الوطن العربيّ والعالم الإسلاميّ ودخول الأنظمة والشعوب العربيّة في حروب أهليّة دمّرت كلّ ما أنجزته في نصف قرن من التنميّة ومحاولات النهوض والتراجع الخطير لحضور القضيّة الفلسطينيّة في الدوائر الرسميّة والشعبيّة العربيّة ؟؟
لقد رفض عبد الناصر الاستسلام، وواجه العدوان الثلاثي في العام 1956، ونكسة حزيران عام 1967 بالتضامن العربي سياسيًا، وحرب الاستنزاف عسكريًا، ورفع لاءاته الثلاث: لا صلح، لا تفاوض ولا اعتراف
وعبد الناصر هو القائل: "إن المقاومة وُجِدت لتبقى وسوف تبقى" ، وما تنامي حركة المقاومة الشعبية العربية في فلسطين أولًا وفي أقطار عربية كثيرة ثانياً، إلا تأكيد على صحة كلام عبد الناصر، كما أن ما يجري من محاولات تعميم الشذوذ على أنواعه بما يخالف الفطرة البشرية، يثبت كم كان عبد الناصر رؤيويًا حين بادر إلى قيام منظمة دول عدم الانحياز، وحين ساند الثورات التحرُّرية في أفريقيا، وحين نشر تعاليم الإسلام بغير تطرف أو عصبية في أرجاء المعمورة ليُعلِي من شأن القيم الأخلاقية التي إن ذهبت اندثر العالم وتحوّل إلى غابة يفترس فيها الإنسان أخيه الإنسان، وحين دعا إلى قيام مجتمع الكفاية والعدل الاجتماعي، وأقام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
لقد كان عبد الناصر يحترم خصوصية لبنان الذي شهد في عهده استقراراً سياسياً وانتعاشاً اقتصادياً لا مثيل لهما بعد اجتماع عبد الناصر واللواء فؤاد شهاب في خيمة عند الحدود بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة (المصنع).
لقد كان عبد الناصر يُدرك وحسب قوله أن لبنان أشبه بإبريق الزجاج إن انكسر لن يعود إلى سابق عهده ، وحين كانت تعصف المشاكل بين النظام اللبناني والمقاومة الفلسطينية كان يسارع إلى وأد الفتنة، وتلك كانت شيمته مع أي نزاع عربي- عربي.
لذلك، فإن عبد الناصر الهرم ما زال خالداً رغم كل المحاولات وهو يكبر في مماته، فيما كثيرون يزدادون صغراً وهم أحياء وعلى كراسيهم السلطوية الخاوية إلا من مظاهر خادعة.
وربما يكون تاريخ رحيل عبد الناصر الجسدي ، مناسبة لدعوة أصحاب الضمائر الحية في الأمة وهم كثر ، إلى صحوة عربية شاملة للخروج من واقع التمزق والاحتراب والعمل الجدي لبناء وحدة تجسد الانتماء لفكر الثورة العربية ومشروعها التحرُّري العربي المستقل كما طرحه الرئيس جمال عبد الناصر.

