هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
بعد سنوات من الهدوء، يعاود حزب العمّال الكردستاني (PKK)، الذي تصنّفه أنقرة على أنه تنظيم إرهابي، استهدافَ مناطق في الأراضي التركية عبر انتحاريين، وهذه المرة كانت وزارة الداخلية هي نقطة الاستهداف، ما يمثل تحوّلاً في استراتيجية الجماعة التي يمكن أن تعرّض الشراكة العسكرية بين فرعها الكردي السوري والولايات المتحدة الأميركية للخطر، ولعلّ ما يضفي على القضية إلحاحًا جديدًا هو تجديدُ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تعهداته بعد ساعات على الغارة بإنشاء حزام أمني "خارج الحدود الجنوبية " بعمق لا يقل عن 30 كيلومترًا.
فيما تُصرُّ تركيا على أنَّ قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، الحليف الأكبر للولايات المتحدة في الحرب ضدَّ تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، تشكل تهديدًا للأمن القومي لأن مكوّنها الرئيسي المعروف باسم وحدات حماية الشعب (YPG) يرتبط ارتباطا وثيقا بحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهي متمسكةٌ بهذه الذريعة، شنت تركيا هجمات برية متعددة ضدَّ قوات سوريا الديمقراطية، التي تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال شرق سوريا.
في المقابل، وحتى وقت ليس ببعيد امتنع حزب العمال الكردستاني عن تنفيذ هجمات كبيرة داخل تركيا، نظرًا لافتقاره إلى القدرات العملانية، مصحوبةً بالقبضة الحديدية والمشددة التي تطبق فيها أجهزة المخابرات التركية على تحركات التنظيم، ناهيك عن عدم رغبة الأخير باستغلال أنقرة هذه الظروف والأسباب لحثّ واشنطن على قطع علاقاتها مع "قسد"، خصوصًا أن التنظيم يعمل على قدم وساق لتلميع صورته أمام المحافل الدولية في رغبة جامحة لرفع اسمه من قائمة الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية الأجنبية.
قد يتساءلُ سائلٌ عن الأهداف الكامنة خلف العملية الأخيرة التي استهدفت المديرية العامة لوزارة الداخلية التركية، فضلاً عن مآلاتها الظرفية.
وهنا سنأتي على ذكر الأسباب في عجالة:
- مُحاولةُ حزب العمال الكردستاني إثبات وجوده على أثر الضربات القوية التي تستهدف معاقله في جبال قنديل على الحدود التركية-العراقية.
- محاولة الحزب الإبراق برسالة مفادها أنه قوي وقادر على تنفيذ ضربات في عمق العاصمة أنقرة واستهداف مقرِّ وزارة الداخلية.
- إرسال إشارة لعودة الحزب إلى تنفيذ هجمات إرهابية بعد فشله في التسلّل إلى الأراضي التركية عبر الحدود السورية والحدود العراقية مع تركيا.
- تمثل هذه الهجمات نوعًا من الدعاية لتجنيد شباب جدد في صفوف التنظيم الذي يرمي إلى تصوير ذاته بأنه ما زال قويًّا رغم الضربات التي يتعرّض لها، وقادر، رغم الصعوبات الأمنية، على تنفيذ هجمات في قلب العاصمة.
- رمزية مكان الحادث الإرهابي وقربه من البرلمان تحمل دلالات ورسائل يحاول التنظيم تمريرها إلى أنصاره.
لا شك أن القضية الكردية شائكة ومعقدة، بحيث يتساءل المسؤولون الأميركيون، خلف الأبواب الموصدة وعلى نحو متزايد، عن مزايا الحفاظ على هذا التحالف، خصوصًا على حساب استعداء تركيا، حليفة أمريكا وعضو حلف شمال الأطلسي "الناتو"، التي اكتسبت قيمة سياسية دولية أكبر منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا.
في المحصلة، تمتلك تركيا اليد الطولى في حربها المستمرة منذ قرابة أربعة عقود من الزمن ضدَّ حزب العمال الكردستاني بفضل طائراتها المسيّرة بدون طيّار المصنعة محليًّا والتي اكتسبت شهرة عالمية. ذلك أن الآمال في التوصل إلى حلّ سلمي للمسألة الكردية تبدّدت وقتما أوقف أردوغان المحادثات المباشرة في العام 2015 بين الحكومة والزعيم المؤسس لحزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان المعتقل منذ العام 1999، وانهار وقف إطلاق النار الذي تم الالتزام به بشكل متبادل لمدة عامين ونصف العام، مما أدى إلى دوامة التصعيد الحالية التي تستهدف الحركة السياسية الكردية داخل البلاد وخارجها.

