أكرم حمدان- خاص "الأفضل نيوز"
منذُ أسبوعٍ كتبت مقالًا عن اليوبيل الذّهبيّ لانتصارِ تشرين ولم أكن أعلم بأنّ تشرينًا جديدًا سيطلُّ على الأمّة العربيّة، ولكن هذه المرّة من قلب بوصلة الأمّة والقضيّة، فلسطين وتحديدًا غزّة العزّة والكرامة والعنفوان.
وقد استوقفَتني وأنا أبحثُ هنا وهناك التّحذيرات الّتي أطلقها كتّاب ومحلّلون صهاينة من تشرين فلسطيني يُكرّر تجربة تشرين عام 1973 الّتي سجّلت عبورًا تاريخيًّا على الجبهتين المصريّة والسّوريّة.
فقبل خمسين عامًا، فاجأ المُقاتل العربيّ على الجبهتين المصريّة والسّوريّة، يوم السّادس من تشرين أوّل/ أكتوبر 1973، المحتلّ الإسرائيليّ فى سيناء والجولان، بهجوم مُباغت يوم السبت في عيد الغفران وفي العاشر من شهر رمضان المبارك، ليُسجّل للتّاريخ هزيمة بدت واضحة على الوجه الإسرائيلي المتغطرس.
وبعد نصف قرن تمامًا، وفجر السّابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعادت المقاومة الفلسطينيّة تلقين الإسرائيليين الدّرس نفسه في مفاجأة "طوفان الأقصى" الّتي أذهلت العالم.
وما بين تشرين عام 1973 وتشرين 2023، مرّ 25 أيار عام 2000 وتحرير غالبية الأراضي المحتلّة في الجنوب اللّبناني باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبعض النّقاط والتلال الأخرى، ومرّ أيضًا عدوان تموز 2006 والانتصار الّذي تحقّق في مواجهة العدوان والغطرسة الصهيونية.
ولكن ما بين العبور والطّوفان نكهة مختلفة، حيث كانت المبادرة الأولى في يد الجيشين المصري والسوري، وكانت الثّانية في يد المقاومة الفلسطينية، وفي كلا الحالتين ثبت أنّ الجيش الإسرائيلي الّذي يدّعي بأنّه لا يُقهر فقد زمام المبادرة وأصبح جيشًا هشًّا وضعيفًا ومن السّهل إختراقه والنّيل منه.
وما بين العبور والطّوفان تبقى الإرادة والعزيمة وقوّة الحقّ هي الغالبة رغم تفاوت الإمكانيات ومحدوديّتها، وهي التي استطاعت أن تخدع دولة الاستخبارات الإسرائيلية بأذرعها الثلاثة، الموساد والشّين بيت والشّاباك، لتحقّق عنصر المفاجأة في المواجهات مع العدو.
إنّ أهميّة ما حصل في ٧ أكتوبر، أنّه جرى من غزة تحديدًا، وأنّه أحدث زلزالًا ليس فقط في إسرائيل، وإنّما في كلّ العواصم الّتي صنعت إسرائيل وأوجدتها، وكانت الصّدمة لدى هؤلاء مهولة، وتحرّكوا خارج كلّ القوانين والأعراف والقواعد الدوليّة لحماية إسرائيل ومنعها من السّقوط.
لقد بادرَ الغربُ وسمح لإسرائيل باختراع القصص واتّهم الفلسطينيين بالإرهاب وأعطى إسرائيل إذنًا بالقتل وتجاوز كلّ المعايير الدّوليّة، وتبيّن أنّ الغرب بكلّ ما عليه، بعيد عن مفاهيم القانون والحقّ الإنساني، وصاروا جميعًا بانتظار أن يرمّم الجيش الإسرائيلي صورته ولو على حساب الأطفال والشّيوخ والنّساء في غزة وفلسطين.
فالجيش الإسرائيلي عبارة عن "ماركة" انهارت قيمتها في البورصة السّياسيّة الدوليّة، وهم لا يريدون ذلك ويدفعون إسرائيل للعمليّة البريّة، وأمريكا تضغط على كلّ العرب للتّسويق لخطّتها الرّسميّة لإعادة المكانة للجيش الإسرائيلي.
لقد أزعج الموقف المصري باشتراط فتح المعبر للمساعدات الإنسانية لغزة، وهو ما يقتضي إعلان هدنة، كلّ من أمريكا وإسرائيل، فالوقت يمرُّ والدّماء تسيل وغزة لم ولن ترفع الرّاية البيضاء، واقتراحات تبادل المساعدات بتحرير الأسرى والرّهائن الإسرائليين لم يلق أيّ صدى لدى المقاومة.
فإسرائيل والغرب في حيرة من أمرهم، لا يريدون بقاء حماس والمقاومة، ولا يريدون معركة طويلة، ولكن لا يمكنهم استمرار تجاهل المأساة الإنسانية في القطاع.
منذ قيام كيان الاحتلال واغتصاب فلسطين، والشّعب الفلسطيني يستغيث، وبقيت استغاثته غير مسموعة، لقد صدر أكثر من 131 قرارًا وإدانة عن الأمم المتحدة ضدّ الكيان الإسرائيلي ولم يأبه أو يكترث، وبقيت دول عظمى تدعم هذا الكيان في انتهاكاته للمواثيق الدولية واتفاقيات جنيف وغيرها.
لقد كانت للعبور عام 1973 نتائج غيّرت مسار الأحداث في المنطقة ولو أنّها لم تُستثمر بشكلٍ صحيحٍ، ولا شكّ بأنّ نتائج الطّوفان عام 2023 ستُغيّر مصير ومسار المنطقة.

