يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
( الجزء الأول )
إنَّ الجيلَ الذي لم يعش حربَ السادس من أكتوبر، أو معركة العاشر من رمضان عام ١٩٧٣، ولم يرَ بطولات الجيش المصري وهو يعبر خطَّ برليف المنيع أو بطولات الجيش العربي السوري وهو يعبر خطَّ آلون المحصَّن، لم يشعر بالعزّة والكرامة أبداً، وترسخت في ذهنه أن المقاومةَ يمكن أن تستنزفَ العدوّ أو تردع عدوانه ويمكن تحقّق بعض الإنجازات لكنها لا يمكن أن تهدّدَ وجوده على أرض فلسطين.
في حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣، نجح العرب في خداع العدو ومباغتته وقتل الآلاف من جنوده وإسقاط مئات الطائرات الحربية الصهيونية بصواريخ السام التي تغزّل بها الشعراء العرب، فمنهم من قال : ( وأتاكَ يا ديّانُ سامٌ أحمرُ)، ومنهم من قال : ( حيث الدماءُ قرارٌ والضحى وطنٌ.. والأفقُ صاروخُ سامٍ جَدَّ في الطَّلَبِ)، واستعادَ الإنسان العربي ثقته بنفسه وقدرته على الفعل، وسقطت أسطورة "الجيش الذي لا يقهَر" والتي أقنعنا بها العدوُّ الصهيوني المجرم بعد هزيمة عام ١٩٦٧، ما دفعَ برئيسة وزراء العدو غولدا مائير أن تبكي في مؤتمر صحفي، بعد استقالة وزير الحربية المجرم موشي ديان، وتناشدَ أمريكا بالتدخل العاجل والسريع ونصب جسر جوي لإنقاذ إسرائيل،، فتدخلت أمريكا وحلفاؤها بكل ثقلهم، وتواصلت مع الخائن أنور السادات لإخراجه من الحرب في الأسبوع الثاني من بدئها، فكان لهم ما أرادوا واستفردوا بالجبهة السورية حتى لم يبق من القرى المحرّرة إلا القنيطرة بعد إبادتها بوحشية مفرطة.
هذا الجيل الذي عاش الخيبة والهزيمةَ لعقود من الزمن، ظل يرى في المقاومة بكل أطيافها وألوانها وتشكيلاتها بقعةَ الضوء الوحيدة في ليل دامس شديد السواد، وكان يعلق الآمالَ عليها لكي تزيلَ العار عن جبين أمته المثخنة بالجراح، وترمّمَ ما هُدِمَ من أمجاد وتسترد الحقوق وتمنع الإهانات المتكرّرة، حتى جاء يوم السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ "في موعده مع القدر" ، كما كان يقول القائد الخالد جمال عبد الناصر، فكان يوماً مجيداً ومشهوداً برهنت فيه المقاومة عن أصالتها وقدرتها على إذلال العدو وتحقيق الأماني رغم الحصار الخانق الذي أحكمه العدو والشقيق على عنق القطاع.
جاء السابع من أكتوبر، وقامت حماسُ العظيمة بمباغتة العدو عشية عيد الغفران اليهودي، من البحر والبرِّ والجوِّ معاً وفي آن واحد، فجعلت الجيشَ الصهيونيَّ في يوم واحد، أو في ساعات قليلة، أضحوكةَ كل جيوش الأرض ومثار سخريتهم، وجعلت جهاز الاستخبارات الإسرائيلية مصاباً بالدهشة والذعر، يسأل شعبه : مَن هؤلاء؟ وما الذي يجري؟ وهو آخر من يعلم.
أما نتنياهو رئيس الحكومة الذي كان مأزوماً ومكروهاً ومنبوذاً، فقد انتهى ومات سياسيًّا ولكن الإسرائيليين أجّلوا مراسم دفنه إلى أن تنتهي الحرب، وكما فعلت غولدا مائير في حرب أكتوبر ١٩٧٣، فعل نتياهو تماماً فاتصل بالرئيس الأمريكي ليطلب منه الدعم والمساندة وهو يبكي ويكذب، فأوفد الأمريكي المجرم حاملة الطائرات فورد جيرالد لتهديد كل من يفكر بمساندة حماس والانضواء في معركة الشرف، وجاء وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن، ثم جاء بعده وزير الدفاع لويد أوستن، ونُقِلت أطنانُ الذخائر والقنابل ذات القدرة التدميرية العالية من أقرب قاعدة أمريكية في " إمارة شرق الأردن" إلى الكيان الغاصب المحتل لأرض فلسطين، أو بمعنى أوضح: لقد جاءت أمريكا بقدّها وقديدها ومعها حلفاؤها ليقاتلوا عن الصهاينة الأنجاس المهزومين المأزومين ثلةً من المقاومين المؤمنين في قطاع طوله أربعون كلم ومتوسط عرضه ١٢ كلم وفيه أكبر نسبة كثافة سكانية في الأرض، فلم يحقّقوا حتى هذه الساعة منذ ثمانية أيام أيَّ إنجاز عسكري يحفظون به ماء وجوههم السوداء، ولم يحقّقوا إلا ارتكابَ المجازر وقتل المدنيين وجلُّهم من النساء والأطفال، وحتى النازحين الذين طلبوا هم منهم أن ينزحوا من شمال القطاع إلى جنوبه لم يسلموا من قصفهم وجرائمهم خلافاً لاتفاقية جينيف.
وفي حين كانت أهداف حماس العظيمة واضحةً ومحدّدة وقابلة للتحقيق، وقد اختصرتها بحماية المقدسات والرَّدِّ على انتهاكها السافر من خلال إرساء قواعد اشتباك جديدة ومعادلات جديدة، وخطف أسرى من جنود الاحتلال بهدف إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال، ووقف مسلسل التطبيع مع العدوِّ والهرولة إليه ، كان هدف نتنياهو في القضاء على حماس بعيد المنال وصعبَ التحقيق، ما جعله مثار سخرية الإعلام الإسرائيلي قبل غيره... (يتبع)

