محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
لم يتمكّن شهر نيسان من نسيان ذكرى الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975، ولم تنته بعد رغم وقف إطلاق النار، فهذه الحرب لا تزال شاخصة أمام مواطنين ومسؤولين سياسيين وحزبيين ورجال فكر وإعلام، يحاولون استغلال أي فرصة وكل فرصة من أجل إعادة عقارب الساعة إلى زمن الاقتتال الطائفي.
لا يمكن أن تكون محاولات خلق الفتن طبيعية أو عفوية، فما يجري في الأشهر الأخيرة من محاولات لزرع الشقاق بين المسلمين والمسيحيين في مناطق جغرافية محددة وحساسة تخطى فكرة العفوية ودخل نفق التخطيط المظلم، بدءاً من أحداث الطيونة مروراً بجريمة قتل الياس الحصروني وحادثة الكحالة الشهيرة، وصولاً إلى تأليف رواية "صراع رميش وحزب الله" التي ثبت أيضاً أنها كانت تهدف لزرع الفتن، وحادثة خطف منسق حزب "القوات اللبنانية" في منطقة جبيل باسكال سليمان.
ليس صدفة اللعب على الوتر الطائفي في مناطق حساسة، كالجنوب الذي فيه قلة مسيحية، وكسروان جبيل التي فيها قلة شيعية، ففي الجنوب يوم وقعت جريمة قتل الحصروني نُسجت الروايات حول تورط حزب الله بالجريمة قبل انتظار أي تحقيق وأي نتيجة، وبحسب معلومات "الأفضل" فإن تلك الحادثة وما تلاها من مقاربات طائفية واتهامات سياسية تركت أثرها السلبي على القرى الجنوبية لتكون الحرب القائمة حالياً "مكاناً" لتنفيس الاحتقان فبرزت الأصوات التي تفصل بين جنوبي وآخر بحسب دينه، وأصوات تطالب أبناء بيئة معينة بدفع الثمن.
يدفع النسيج الوطني في الجنوب اليوم ثمن المزايدات والاتهامات السياسية، ولا شك أن النسيج الوطني في كسروان – جبيل سيدفع الثمن قريباً، إذ لم تكن صدفة إطلاقاً كل هذه الحملات التي قامت إثر اختطاف مسؤول القوات، فمن تحدث واتهم وأشعل الفتن كان بمركز مسؤولية، اتهم بعضهم "محور الشر" بارتكاب الخطف ورفع سقف التهديد، وتحدث آخرون عن إيجاد هاتف المخطوف في بلدة لاسا، البلدة الشيعية في جبيل، والتي لطالما زُج اسمها في خلافات طائفية على ملكية الأراضي، وهو ما ثبت عدم صحته.
توجه رئيس حزب القوات سمير جعجع إلى مركز القوات في مستيتا جبيل، رغم الخطر الأمني الذي يقولون أنه يُحيط به ويمنعه من التحرك، باتجاه بكركي وغيرها، وتوافد النواب من القوات وأحزاب أخرى، فكانت الخطابات الطائفية والاتهامات السياسية، رغم سعي رئيس الحزب لتهدئة بعض المواقف، ولكن الأوان كان قد فات فانعكس الخطاب على بعض جمهور القوات، خطاب "الخطف بالخطف والدم بالدم"، وعلت أصوات التهديد لحزب الله وجمهوره في تلك المحافظة، فانتقل الخطاب المتشنج من القمة إلى القواعد الشعبية وتحولت وسائل التواصل إلى حلبة حرب.
وسط كل هذه المعمعة كان صوت العقل الوحيد يصدر عن زوجة المغدور، وبعد ساعات بدأت تتكشف القضية التي لا خلفيات سياسية أو طائفية لها، فانتقلت محاولات زرع الفتن إلى "النازحين السوريين".
الفارق بين حرية التعبير المصانة بالقوانين المحلية والدولية، والتسبب بالفتن واللعب على وتر الطائفية، شعرة رفيعة، قطعها كثيرون عن قصد وعن سوء نيّة، لذلك فإن ما يجري من محاولات تجييش مترافقة مع خطاب الطلاق والتقسيم يُنذر بما هو أسوأ، فنحن اليوم نعيش ظروف اقتتال، دون رصاص، على أمل أن لا يحضر الرصاص قريباً، إذ أن نظام لبنان الطائفي الحالي لا يمكن له الاستمرار طويلاً.

alafdal-news
