مارينا عندس- خاصّ الأفضل نيوز
خلال حقبة الستينيات والسبعينيات، شهد شارع الحمرا حالةً ساحرةً ضجّت بها العاصمة بيروت والعالم العربي ككلّ. يومذاك، شهد لبنان أشهر دورٍ للسينما والمسارح في لبنان. ومقاهٍ يقصدها الكُتَّاب والمثقفون، ومحلّات تبيع أجود أنواع الثياب وتُسابق العالم أجمع في الموضة والأزياء و"الفاشن".
في مسرح بيكاديللي غنّت السيدة فيروز، وكان بإمكاننا أن نرى المغنية العالمية داليدا تتجول في شارع الحمرا قبل تقديم أحد عروضها. كذلك أقام نجوم عالميون حفلات في لبنان، منهم لويس أرمسترونغ وبول أنكا وغيرهم.
ورغم أنّ هذا الشارع مرّت عليه الحروبات خلال الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990، إلّا أنه لم يصل إلى الحضيض مثل ما وصل إليه اليوم.
"شارع الحمرا" بات مقصدًا للمتسولين
"خدني معك ودّيني عشارع الحمرا" لترى التّسوّل والفقر والتّشرّد في كلّ مكانٍ.
فمن كان يتخيّل أن يصبح شارع الحمرا كأحد شوارع الضّيع المهجورة، حيث لا مكان آمنًا ولا رقابة ولا رجال أمنٍ؟ لم يعد يستقبل سوى اللاجئين والمتسولين والقليل من سيارات التاكسي.
في الأمس، كان شارع الحمرا مكانًا يقصده السّياح من كلّ أنحاء العالم. ذاك الشارع الذي تتبضّع منه أفخم الأغراض "الأنتيكا" "والموزاييك" والتّحف والثياب وغيرها. ذاك الشارع النابض بالحياة، متعدّد الطوائف والأجناس والجنسيات.
نهارًا، تقصد الفنادق التي تقدّم أجود أنواع الأكل اللبناني، تحتسي كوبًا من القهوة في "كافيه الحمرا" الذي أقفل، وتشرب النرجيلة في بيت "أم نزيه" الراحل مع الانفجارات، وتسهر ليلًا في "بيكلز" الذي أقفل مع بداية الأزمة الاقتصادية.
اليوم، الوضع اختلف. فمع تفجير مرفأ بيروت، معالم الشارع اختلفت، وثقافته ولّت ومعظم محلّاته أقفلت. وما زاد الطّين بلّة، الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف في البلاد منذ حوالي الـ4 سنوات، بعد أن وصفها البنك الدولي، "واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر".
معالم "شانزيليزيه بيروت" اختلفت هذا العام بعد أن أصبحت الأرصفة في شارع الحمرا، مقصدًا للمتسوّلين الخطرين وبائعاتٍ للهوى، لم يعد كُتّاب وروّاد الشارع يقدّرون المكان مثل أيّام زمان. ما جعلهم يهجرون كافيهات الحمرا علّهم يرون مكانًا أفضل لقضاء وقتهم فيه.
أمّا الموظّفات في المحلات لم يعد باستطاعتهنّ العودة إلى منازلهنّ، نتيجة ارتفاع نسب الجرائم في هذا الشارع مثل السرقات والاغتصاب والنشل والقتل وغيرها. وبعد المحاولات المتكررة في وضع نقط أمنية في المكان، ولم يجد نفعًا في ذلك، اضطرت معظمهنّ ترك وظائفهنّ للعودة إلى بيوتهنّ الآمنة.
للأسف، تغيّر الشارع كثيرًا بالنسبة للشعراء والكتّاب والمثقفين. أمّا بالنسبة لنا نحنُ، لم نعد في الأساس نزور هذا الشارع. صحيح أنّنا قرّرنا التكتّم عن هذه المشكلة، لألّا نُشوِّهَ سمعته. ولكن، إلى متى سنسكت؟
شارع بيروت ليس فقط ذكرياتٍ نقضيها فيه، يعتبر شارع الحمرا أحد أركان العاصمة -بيروت الأساسية، وذاكرة بيروت وخزّانها الفكري والروحي والثقافي،
وانتهاك شارع الحمرا في بيروت لم يشمل فقط مقاهي الرصيف على جانبيه، بل أصاب أكشاك بائعي الصحف والكتب، لذلك، تراجع نشاط الباعة والقراء.
تحوّلاتٌ كبرى طرأت على شارع الحمرا، غيّرت من هويته وثقافته، وأدت تبعات الأزمة الاقتصادية إلى انتشار حالةٍ من الفوضى والبؤس والتسول.
ورغم أنّ ذكريات هذا الشارع لم نرمها في البحر، إلّا أنّ معظم من كان يقصده هاجر، بحثًا عن مكانٍ آخر يستهويه. فهل ستتحول شوارع لبنان كافةً إلى شوارع لا تشبهنا؟

alafdal-news



