د. علي دربج- خاصّ الأفضل نيوز
منح التصويت الذي جرى في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الجمعة الفائت، بدعم من الجزائر وفيتنام بهدف فرض حظر دولي على تصدير الأسلحة لإسرائيل، الحركة العالمية المتصاعدة ضد المذبحة المفتوحة بغزة، زخمًا كبيرًا، خصوصًا وأنه جاء، بعد قيام العديد من الدول الأوروبية وحلفاء الولايات المتحدة بإيقاف بيع الأسلحة للكيان الغاصب.
وبالرغم من أنه، تمّت الموافقة على قرار المجلس المؤلف من 47 عضوًا، بأغلبية 28 صوتًا مقابل 6 أصوات، وامتناع 13 عضوًا عن التصويت، لكن المؤسف، أن هذه الحركة تفتقر حتى الآن، إلى المساندة الواضحة والصريحة من أكبر بلدين يزودان إسرائيل بجميع الأسلحة المستوردة تقريبًا، أي الولايات المتحدة وألمانيا، إذ صوت كلاهما ضد القرار غير الملزم في مجلس حقوق الإنسان.
وما حجم كميات الأسلحة التي تزود بها ألمانيا والولايات المتحدة تل أبيب؟
في الحقيقة، توفر الولايات المتحدة وألمانيا ما يقرب من 99% من جميع الأسلحة المستوردة إلى إسرائيل، وفقًا لتحليل نشره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في شهر مارس/ آذار الماضي.
أكثر من ذلك، استوردت إسرائيل 69% من أسلحتها من الولايات المتحدة، و30% من ألمانيا في الفترة من 2019 إلى 2023. كما أذنت وزارة الخارجية الأمريكية بنقل 25 طائرة مقاتلة ومحركات من طراز F-35A إلى إسرائيل الشهر الماضي.
اللافت هو أن هذه النسب تعكس جزئيًا مكان وجود مصنعي الأسلحة، ولكنها أيضًا نتيجة لسياسات الحكومتين في برلين وواشنطن. ولهذا، ومنذ 7 أكتوبر الماضي، قام كل من الرئيس الأمريكي جو بايدن، والمستشار الألماني أولاف شولتز، بتسريع شحنات الأسلحة إلى إسرائيل.
وغني عن التعريف، أن الولايات المتحدة تعدّ أهم داعم للجيش الإسرائيلي حتى الآن، حيث تقدم مساعدات بمليارات الدولارات سنويا، ويندرج معظمها ضمن برنامج التمويل العسكري الأجنبي، الذي يقدم منحًا لشراء السلع والخدمات العسكرية الأمريكية.
وتعقيبًا على ذلك قال سيث بيندر، الخبير في مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط: "الولايات المتحدة هي المفتاح لقيود الأسلحة التي لها أي تأثير كبير على السياسة الإسرائيلية".
على المقلب الآخر، زادت صادرات الأسلحة الألمانية إلى إسرائيل عشرة أضعاف العام الماضي مقارنة بعام 2022، لتصل إلى 354 مليون دولار.
ويشمل هذا المبلغ، ما يقرب من 22 مليون دولار، عبارة عن أسلحة هجومية، بما في ذلك 3000 سلاح محمول مضاد للدبابات، و500000 طلقة ذخيرة للرشاشات والمدافع الرشاشة، أو غيرها من الأسلحة النارية الآلية أو شبه الآلية، والمخزي أنه تمت الموافقة على معظم الصادرات بعد 7 أكتوبر.
وما سرّ هذا الدعم الألماني لإسرائيل؟
يستند دعم الحكومة الألمانية الثابت للكيان الفاشي، إلى فكرة مفادها أن أمن إسرائيل وحقها في الوجود، يشكلان جزءًا من مسؤولية ألمانيا التاريخية و"سبب وجود الدولة"، وهي الصيغة التي استخدمتها المستشارة السابقة أنجيلا ميركل لأول مرة في عام 2008.
من هنا، قال دانييل مارويسكي، مؤلف كتاب "ألمانيا وإسرائيل: تبييض الدولة وبناء الدولة": "أعتقد أنه بهذا الإعلان في عام 2008، وضعت ألمانيا نفسها بالفعل في قيود وتخلّت طوعًا عن خياراتها نوعًا ما".
لكن مهلًا، وعلى عكس الولايات المتحدة، فإن ألمانيا طرف في معاهدة الأمم المتحدة لتجارة الأسلحة، وهذا بالتالي يمكّنها، من أن تحظر بيع أسلحة معينة لإسرائيل إذا كان هناك خطر من إمكانية استخدامها لانتهاك القانون الإنساني الدولي. كما يمكن للقانون المحلّي أن يشكل قيداً إضافياً ضد أي خطوة من هذا القبيل.
وتبعًا لذلك، قدم محامو حقوق الإنسان في ألمانيا نداءً قضائيًا عاجلاً، مطالبين الحكومة بوقف الترخيص بأسلحة الحرب لإسرائيل، وفقًا لقانون مراقبة الأسلحة الحربية في البلاد.
وماذا عن الضغوط العالمية على واشنطن لإيقاف تصدير الأسلحة لإسرائيل؟
وفي الواقع، يرى العديد من الدول والمنظمات والمؤسسات الدولية، أن على الولايات المتحدة أن تذهب إلى ما هو أبعد من التهديدات بقطع الاسلحة عن العدو الصهيوني.
وعليه، وفي رسالة صدرت الخميس الفائت، دعت منظمة الحكماء، وهي مجموعة تضم 12 من قادة حقوق الإنسان العالميين برئاسة المفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ماري روبنسون، الولايات المتحدة إلى وجوب قيادتها لجهود حظر الأسلحة على تل أبيب". وقالت المجموعة في بيان: "باعتبارها أقرب حليف لإسرائيل وأكبر مزود لها بالأسلحة، يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقود الطريق".
وعلى المنوال ذاته، وقعت أكثر من 160 منظمة إنسانية وجماعة حقوقية على دعوة لحظر الأسلحة، صدرت لأول مرة في 24 يناير/كانون الثاني. أما الموقعون الجدد، فقد انضموا إلى العريضة، بعد أن قتلت الغارات الجوية الإسرائيلية سبعة أعضاء في قافلة مساعدات المطبخ المركزي العالمي، مما سلط الضوء على مخاطر العمليات الإنسانية في غزة.
ومن هي الدول التي امتنعت عن بيع الأسلحة للكيان الفاشي؟
مع ارتفاع شهداء الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، بحق المدنيين العزّل والأطفال، علق العديد من الحكومات الوطنية والإقليمية في كل من: بلجيكا وكندا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا مبيعات الأسلحة لإسرائيل، مشيرة إلى مخاوف بشأن القانون الإنساني الدولي. وبالمثل أعلنت شركة "إيتوتشو" اليابانية في شهر فبراير/شباط الماضي، أنها ستنهي شراكتها مع شركة دفاع إسرائيلية كبرى ردًّا على حكم محكمة العدل الدولية.
وفي الدنمارك، رفعت جماعات حقوق الإنسان الشهر الماضي دعوى قضائية ضد الحكومة لمنع تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى إلى إسرائيل، بينما كتب المشرعون الفرنسيون إلى الرئيس إيمانويل ماكرون يوم الجمعة الماضي، للمطالبة بخطوة مماثلة.
أما أقوى ردود الفعل فقد أتت من بريطانيا، الحليف الرئيسي لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، بعدما أدى استهداف عمال المطبخ المركزي العالمي إلى مقتل ثلاثة مواطنين بريطانيين. ولهذه الغاية، كتب أكثر من 800 خبير قانوني إلى الحكومة الإنكليزية هذا الأسبوع، مؤكدين أن بلادهم بحاجة إلى وقف صادرات الأسلحة إلى إسرائيل لتجنب "التواطؤ في الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي".
وفي هولندا أيضًا، أصدر قاض حكمًا، مؤخرًا، قال فيه أن هناك "خطرًا واضحًا من ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني للحرب" من خلال طائرات F-35 التي تستخدمها إسرائيل، ومنع بذلك، تصدير أجزاء الطائرات إلى إسرائيل.
بموازة ذلك، عنونت صحيفة "إندبندنت" الخميس الفائت، صفحتها الأولى بعبارة "كفى"، مشددة على أن الوقت قد حان "للقيام بكل ما يلزم" لوقف الحرب.
وفي السياق ذاته، كشفت أماندا كلاسينج، مديرة قسم المناصرة في منظمة العفو الدولية بالولايات المتحدة الأمريكية، أن منظمتها تحاول إقناع الحكومة الأمريكية بأن شحنات الأسلحة التي ترسلها إلى إسرائيل تنتهك الالتزامات الدولية. وقالت: "هناك أدلة كافية للاستفادة من القانون والسياسة الحاليين لتعليق عمليات نقل الأسلحة".
الجدير بالذكر أنه، يمكن للأمم المتحدة أن تفرض حظرًا إلزاميًّا على الأسلحة يلزم الدول، من خلال تصويت في مجلس الأمن، كما فعلت في جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري. غير أن الولايات المتحدة تمتلك حق النقض (الفيتو) الذي يعتبر عائقًا أساسيّا أمام هذه الخطوة.
وتعليقًا على ذلك، قالت جينيفر إل إريكسون، الباحثة في مجال الحد من الأسلحة في كلية بوسطن: "نتيجة لذلك، ليس هناك أي فرصة تقريباً لفرض الأمم المتحدة حظراً على الأسلحة ضد إسرائيل".
وأضافت إريكسون أن الاتحاد الأوروبي يمكنه تنفيذ حظر على الأسلحة على مستوى الكتلة، كما فعل في حالات أخرى. لكن هذا سيبقى في إطار الممارسة العملية التي تطلب إجماع جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي. وتابعت "عبارة الدول الأعضاء، تعني أن ألمانيا ستضطر إلى الموافقة.
في المحصّلة، لم تكتف واشنطن بشراكتها المباشرة والعلنية لإسرائيل في حربها الدموية على غزة، بل الأسوأ أنها تصرّ بشكل فاضح ومثير للسخرية على منحها صك براءة بلسان جون كيربي، مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض، عن كل جرائمها ضد الإنسانية، حيث قال للصحافيين الأسبوع الماضي، إن وزارة الخارجية تواصل مراجعة الإجراءات الإسرائيلية في غزة، لكن المسؤولين لم يعثروا بعد على حادث يشير إلى انتهاك للقانون الإنساني الدولي. ربما يقصد أنه بانتظار سحق الشعب الفلسطيني بأكمله حتى يتأكد حينها من ارتكاب إسرائيل مخالفة قد يعتدّ بها.

alafdal-news
