ملاك درويش - خاص الأفضل نيوز
اللوبي الصهيوني هو مجموعة من الشركات والمؤسسات والأفراد الذين يعملون بالتعاون معًا لتعزيز مصالح إسرائيل وتوجيه السياسات الاقتصادية العالمية لصالحها. وتتركز قوة اللوبي الصهيوني في مجالات متعددة من الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الصناعة المالية، والتكنولوجيا، والطاقة، والزراعة، والتجارة الدولية.
يعتمد تأثير اللوبي الصهيوني على استخدام النفوذ السياسي والاقتصادي لتحقيق أهدافه، مما يؤدي إلى تشكيل سياسات وقرارات تخدم مصالح إسرائيل على حساب مصالح الشعوب الأخرى.
فكيف أصبح اللوبي الصهيوني يتحكم بالاقتصاد والعالمي؟
سؤال واسع جداً تتطلب الإجابة عليه أبحاثا ومؤلفات وقراءات سابرة لأغوار التاريخ السياسي والفكري للجماعات اليهودية منذ اختراقها للديانة المسيحية، ومروراً بأساليب اليهود في محاربة الرسالة المحمدية، وكيف روّجوا الحكايات التي استهدفت ثقافة العمل المهني عبر الانتقاص من عديد من الحرف الصناعية فعزف عنها الناس وسيطر عليها اليهود أنفسهم، وعبر محطات التاريخ قديماً ووسيطاً وحديثاً.
بدا العالم في المئة العام الأخيرة مشبوباً بالحروب الأكثر فتكاً والتي تبدو في ظاهرها حروباً فكرية وسياسية، غير أنها في باطنها صراعاً على الموارد والثروات، ومن يقرأ الخلفيات التاريخية لصعود اليهود الاقتصادي، في إنتاج الأدب العالمي مثّل رواية "مقبرة براغ" للكاتب الايطالي أمبيرتو ايكو، سيجد أن الصهيونية تتمحور في قلب أسباب تلك الصراعات وإن كان ذلك لا يتضح في ظاهر الأمر، فخلف تفاصيل الأحداث والعوامل والإرهاصات الموصولة بالحرب تبرز حقيقة موقع اليهود من تلك الأسباب، وكيف أفضى ذلك إلى تموضعهم في قمة السيطرة الاقتصادية.
وفي السياق نفسه، كان الدعم الأساسي هو من العائلات التي تمتلك نفوذاً كبيرا في القارة الأوروبية. وعندما نسمع بالعائلات الداعمة للصهيونية اول ما يخطر على بالنا اسم عائلة "روتشيلد". فمثلاً عائلة روتشيلد اليهودية الألمانية التي بدأ تاريخها الموثق في القرن السادس عشر تنبع جذورها من ماير أمشيل روتشيلد (1744-1812)، وهو يهودي من مواليد مدينة فرانكفورت، والابن الرابع لتاجر الصرافة أمشيل موسى روتشيلد، وقد أسس عمله المصرفي في القرن الثامن عشر، على عكس معظم يهود المحاكم الذين سبقوه، ليتمكن من تأسيس عائلة مالية دولية مورثاً ثروته لأبنائه الخمسة عبر خمس فروع في أهم أماكن التجمعات الحضرية المركزية في خمس عواصم أوروبية، فكانت فرانكفورت عاصمة ألمانيا يومها من نصيب ابنه «أتسليم» وفيينا عاصمة النمسا من نصيب «سالمون»، و لندن عاصمة بريطانيا «ناثان»، وباريس عاصمة فرنسا من حظ «جيمز»، فيما كانت نابولي عاصمة الفاتيكان من نصيب «كارل».
ومن أجل تأمين الترابط الوثيق بينهم جميعاً، عمد إلى تعيين قائد لهم هو ناثان في بريطانيا، ووضع قواعد تسمح بتبادل المعلومات ونقل الخبرات بسرعة عالية بين هذه الفروع مما يحقق أقصى درجات الفائدة والربح.
ولضمان ترابط العائلة واستمرارها كان الرجال لا يتزوجون إلا من يهوديات، ولابد أن يكنَّ من عائلات ذات ثراء ومكانة، تخدم هدفهم العام في توسيع أنشطة جمع الثروات، بينما تسمح القواعد بزواج البنات من غير اليهود شريطة أن يكون من يتزوج بنات اليهود من أغنياء وأثرياء الديانات الأخرى، اللادينيين، لضمان توسيع المصالح المشتركة، على قاعدة أن تظل الثروات في مجملها في أيد يهودية.
كان ذلك الثراء الفاحش الذي عرفت به عائلات اليهود في شمال غرب أوروبا ومنها عائلة روتشيلد، هو من خلف مظاهر الغطرسة والتعالي التي تجلت في تزيين مباني اليهود بالمناظر الطبيعية واللوحات الفنية الباذخة والنظر إلى المجتمع نظرة محكومة بالمادة والثروة فمن كان غنياً يتم التقرب منه أو مصاهرته للاستفادة القصوى من ثروته، ومن كان فقيراً وله أصول ثابتة من منازل ومزارع وثروة حيوانية، يتم اقراضه المال بفوائد تتضاعف كلما تأخر سدادها، حت يسلب أصوله وعقاراته، ثم يتركونه وينظرون له نظرة دونية.
وقد تجاوز دور وتأثير ذلك الثراء والثروات كل ما سبق، إلى دعم أشهر الحروب في التاريخ الحديث التي خاضها الغرب ضد الإنسانية والتي تستهدف حشد مزيد من الثروات، ولعل أبرز تلك الحروب الحرب النابليونية (1803-1815)، التي حظيت بدعم عائلة روتشيلد التي كانت متفوقة في مجال تجارة السبائك في ذلك الوقت، فمن لندن عام 1813 إلى عام 1815، كان لـ “ناثان ماير روتشيلد” دورٌ فعال في تمويل المجهود الحربي البريطاني بمفرده تقريبًا، إذ نظم شحنة السبائك إلى جيوش آرثر ويلزلي في جميع أنحاء أوروبا، بالإضافة إلى دفع الإعانات المالية البريطانية كقروض بفوائد ومساعدات إلى حلفاء بريطانيا، حيث قدم روتشيلد في عام 1815م على سبيل المثال لا الحصر 9.8 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل اليوم 869 مليون دولار أمريكي).
وتشير المراجع التي وثقت الحروب عبر العالم واستقصت دور العائلات اليهودية الثرية في أوروبا، إلى أن الحكومة اليابانية عندما اتصلت بعائلات لندن وباريس والنمسا والفاتيكان وألمانية الثرية للحصول على تمويل حربها مع روسيا، وبلغ إجمالي ما قدمته عائلة روتشيلد في لندن فقط وعبر شراء سندات الحرب اليابانية نحو 11.5 مليون جنيه إسترليني (أي ما يعادل 1.03 مليار جنيه إسترليني قياساً بمؤشر أسعار الجنيه الإسترليني في 2012).
كما تؤكد المراجع أنه خلال مسار الحروب التي دعمتها العائلة، ظلت أساليب الاستحواذ على المقدرات والثروات هي المتصدرة في المعاملات اليهودية، فعمدت العائلة إلى تزويد ناثان روتشيلد مرارًا وتكرارًا بالمعلومات السياسية والمالية قبل بقية أقرانه، وهذا ما منحه ميزة في الأسواق وجعل من منزلة عائلة روتشيلد أكثر قيمة بالنسبة للحكومة البريطانية، خصوصاً مع تمكين شبكة العائلة لقائدها «ناثان» في بريطانيا من تلقي أخبار انتصار ويلينغتون في معركة واترلو في لندن قبل يوم كامل من إعلان الرسائل الرسمية للحكومة، لكن لم تكن الفوائد المالية المحتملة من ضمن اهتمامات روتشيلد الأولى، فأخذ الأخبار على الفور إلى الحكومة، ووفقًا لحسابات ناثان روتشيلد فإن الانخفاض المستقبلي للاقتراض الحكومي الذي أحدثه السلام سيخلق ارتدادًا في سندات الحكومة البريطانية بعد استقرار يدوم لمدة عامين، والذي سينهي إعادة هيكلة الاقتصاد المحلي بعد الحرب.
وتبعاً لتلك السياسة القذرة، اشترى ناثان على الفور سوق السندات الحكومية ثم انتظر لمدة عامين وباع السندات في السوق عام 1817 للحصول على ربح 40%، ووُصف هذا التصرف بأنه واحد من أكثر التحركات جرأةً في التاريخ المالي، إذ بدا في ذلك الوقت سعرًا مرتفعًا للغاية، وبالنظر إلى القوة المالية الهائلة التي كانت تحت تصرف عائلة روتشيلد، كان هذا الربح مبلغًا ضخمًا.
بدأ ناثان ماير روتشيلد عمله في مانشستر عام 1806 ونقله تدريجيًا إلى لندن، وحصل عام 1809 على مكان في سانت سويثين لين، مدينة لندن، وأسس شركة روتشيلد وشركاؤه في عام 1811.
وفي عام 1818، دبّر روتشيلد قرضًا بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني (أي ما يعادل 370 مليون جنيه إسترليني في عام 2019) للحكومة البروسية، وشكّل إصدار السندات للقروض الحكومية الدعامة الأساسية لأعمال مصرفه، لقد اكتسب مركزًا قويًا في مدينة لندن وبحلول عام 1825-1826 تمكّن من توفير ما يكفي من المال لبنك إنجلترا حتى استطاع تجنب أزمة سيولة في السوق، ليتحكم بعد ذلك بمفاصل صناعة قرار التاج البريطاني ويحرك سياسته الاستعمارية شرقاً وغرباً.
وما لا يعرفه الكثير عن شركات عائلة روتشيلد اليهودية الرائدة، هو أنها حضرت بقوة في مجال التمويل الدولي المرتفع في جدواه خلال نشوء النظام الصناعي في أوروبا كتمويل أنظمة السكك الحديدية في جميع أنحاء العالم وفي التمويل الحكومي المعقد لمشاريع كبيرة مثل قناة السويس، ليس خدمة للشرق الأوسط أو مصر أو الدول المطلة على البحر الأحمر، ولكن خدمة لمساعيها في السيطرة والتحكم على الملاحة الدولية والتجارة العالمية، وكانت هذه المشاريع المبكرة من القرن التاسع عشر هي أهم مرتكزات الحركة الاستعمارية التوسعية للاستعمار البريطاني خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ولم تتوقف اهتمامات العائلة اليهودية التمويلية العالمية عند هذا الحد بل دخلت طور التمويل السياسي للصراعات في العالم، فمثلا شاركت بشكل مباشر في استقلال البرازيل عن البرتغال في أوائل القرن التاسع عشر، مقابل دفع الحكومة البرازيلية تعويضًا ماليًا قدره مليوني جنيه إسترليني لمملكة البرتغال لقبولها استقلال البرازيل، وفي عام 1825، جمع ناثان روتشيلد مليوني جنيه إسترليني، وشارك بالفعل في دفع هذا التعويض المالي بمبلغ مليون جنيه إسترليني في عام 1824م ما ساعده على السيطرة على مفاصل الاقتصاد والمشاريع والشركات ذات الربحية العالية، في الدولتين، ولعل أهم الشركات التي تتبع العائلة في البرازيل والبرتغال وأوروبا خاصة والعالم عامة، تتمثل في: (مجموعة آر إس إيه للتأمين، شركة السكك الحديدية الشمالية، مجموعة ريو تينتو، إيراميت 1880م، إميريس 1880م، دي بيرز 1888م كما ومولت الأسرة رجل الأعمال سيسيل رودس جون (1853 – 1902م) رئيس وزراء مستعمرة الكاب التابعة للتاج البريطاني في أفريقياٍ، فوجه التمويل الذي منحته عائلة روتشيلد في مجال إنشاء مستعمرة رودسيا الجنوبية البريطانية في افريقيا ما يعرف الآن بـ تضم الآن زامبيا وزيمبابوي.. وتجدر الإشارة إلى سيسل رودس عُرف بملك الألماس، حيث أنشأ شركة دي بيرز، أضخم شركة ألماس في العالم وكانت تسيطر حينها على 60% من ألماس العالم، وأصبحت في فترة من الفترات اللاحقة تسيطر على 90% منه، ولهذا السبب تقربت منه عائلة روتشيلد اليهودية، فسيطرت بفضله على شركة ريو تينتو للتعدين في أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر.
وبالإشارة إلى استفحال سيطرة العائلة في مفاصل القرار البريطاني تؤكد المراجع أن الابن الثالث للعائلة، ناثان ماير أمشيل روتشيلد استقر في البداية في مانشستر ليؤسس لأول مرة نشاطًا تجاريًا في مجال الغزل والنسيج ومن مانشستر استمر في إنشاء بنك إن إم روتشيلد وأولاده في لندن، قبل أن ينتقل إليها، لكن الأهم هو أن بنك لندن التابع لعائلة روتشيلد لعب خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر دورًا رائدًا في إدارة وتمويل الإعانات التي حولتها الحكومة البريطانية إلى حلفائها خلال الحروب النابليونية من خلال إنشاء شبكة من الوكلاء، وتمكن البنك من توفير الأموال لجيوش آرثر ويلزلي في البرتغال وإسبانيا، وبالتالي تمويل الحروب. شكّل توفير التمويل المبتكر للمشاريع الحكومية دعامة أساسية لأعمال البنك في وقت لاحق من القرن.
وفي القراءات التاريخية نستنتج أيضا إلى أن «ناثان ماير» استلم إدارة فرع البنك في لندن، وفي عام 1902 توفي ملك الألماس سيليس رودس جون رئيس وزراء مستعمرة الكاب البريطانية دون أن يكون له وريث، وبحكم ما قدمته العائلة اليهودية له من دعم خلال التوسع في المستعمرات البريطانية، سيطر ابن العائلة «ليوبولد دي روتشيلد (1845–1917) على إرثه، تحت حجة إعداد مشروع رودس للمنح الدراسية في جامعة أكسفورد.
وتبعا للمراجع التي تؤكد أن شركات عائلة روتشيلد في فرنسا وشركة روتشيلد وشركاؤه في لندن، كانت قد شكلت تكتلا جديدا مع مستثمرين يهود أخرين في عام 1873م من أجل الحصول على مناجم النحاس، فاستحوذ الشركاء اليهود على شركة ريو تينتو التابعة للحكومة الإسبانية، وأعادوا كملاك جدد هيكلتها وحوّلوها إلى عمل مربح، وبحلول عام 1905، بلغت حصة روتشيلد في ريو تينتو أكثر من 30%.
يقدر خبراء المال في الوقت الحالي ثروة عائلة روتشيلد بقرابة 500 تريليون دولار، أي ما يعادل حوالي 7 أضعاف إجمالي موازنات جميع دول العالم، وفق أرقام العام 2013م التي تؤكد أن موازنات دول العالم بلغت 73 تريليون دولار أمريكي طبقًا لتقرير الأمم المتحدة.
وفي قبال ذلك، فإن عائلة روتشيلد ليست العائلة اليهودية الوحيدة التي برزت اقتصاديا ومالياً وسيطرت على مفاصل صناعة القرار الاستعماري في أوروبا والغرب بشكل عام من خلال وسائل الاستحواذ المتعددة، بل امتدت العائلات الاقتصادية والتجارية اليهودية، إلى أمريكا حديثة التأسيس من قوميات وعوالم مختلفة كونها كانت وجهة للمهاجرين من مختلف دول العالم، وباتت مرجعيات تشكل جماعات الضغط داخل دوائر صناعة القرار الأمريكي.
استخلاصاً لما سبق ذكره تاريخياً، يمكن رؤية تأثير اللوبي الصهيوني في السياسات التجارية الدولية، حيث يعمل على تعزيز العلاقات التجارية مع إسرائيل وتسهيل دخول منتجاتها إلى الأسواق العالمية، بينما يفرض عقبات وقيود على المنافسين. كما يؤثر اللوبي الصهيوني أيضًا على السياسات المالية والاستثمارية العالمية، مما يؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية لإسرائيل وشركاتها.
وأخيراً، يستخدم اللوبي الصهيوني قنوات الإعلام والتأثير الثقافي لتشكيل صورة إيجابية عن إسرائيل وتبرير سياساتها وجرائمها، بينما يشوه صورة الدول والمؤسسات التي تنتقدها أو تعارض سياساتها.

alafdal-news
