مفيد سرحال - خاصّ الأفضل نيوز
على وقع إرهاصات التأسيس نستحضر محطة تاريخية تبلورت على غرارها فكرة قيام الكيان اللقيط المسمى ((دولة إسرائيل)) بدأت نذرها عندما أرسل محمد على باشا حملته إلى الشرق بداية مع ابنه خوسم، ثم إبراهيم باشا الذي ما إن وصل إلى أبواب القسطنطينية حتى تنبه الغرب إلى أهمية وخطورة التقاء الجناحين المصري والسوري فاتخذ القرار عام 1878 بين الإنكليز والفرنسيين لقيام كيان يفصل بين العرب وفي العام 1897 عقد مؤتمر بال الذي تقرر خلاله إنشاء وطن قومي لليهود.
ترسخت الفكرة وابتكر الغرب استراتيجية الـ"خطوة خطوة" في فصل المسارات عقب حرب تشرين التحريرية، بعد تلاقي الجيشين العربي السوري والمصري واختراق خطي بارليف وآلون فتم إخراج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي على خلفية التحرير الأسدي والتحريك الساداتي.
تتالت على الأثر الاتفاقيات التطبيعية وأخطرها كان أوسلو التي أعطت الكيان الغاصب مشروعية الكينونة والوجود وخسر الفلسطينيون قوى وحركات ومنظمات ودول لطالما أيدت القضية الفلسطينية وناصرتها في المحافل والمنتديات الدولية.
إن التماهي الملحوظ والدعم اللامحدود اللذين يوفرهما الغرب الجماعي للكيان الغاصب المؤقت الوظيفي كثكنة متقدمة وعصا غليظة بيد أميركا وحلفائها لحماية مصالحها ليس فقط محصورا بالبعد التحالفي الاستراتيجي إنما هناك أبعادا لاهوتية عَقَدية تتم مقاربتها لماما وعلى استحياء لأسباب نجهل أسبابها علما أنها المحرك والدافع الرئيس للتغطية على جرائم وارتكابات العدو الصهيوني والتسليم بكل أفعاله وإشاحة النظر عن أنشطته العدوانية وإفراطه في التجزير والقتل وعدم السماح بمحاسبته تحت أي ظرف لا بل الانقياد الأعمى وراءه وإعطاؤه حرية التحرك وإطلاق يده وتعظيم شهوة القتل والسادية عنده.
لذا تبدَّى جليا" كيف أن الغرب الجماعي أدار محركاته العسكرية والدبلوماسية إثر تهاوي أبراج وحصون الاحتلال وإسقاط المقاwمة صبيحة السابع من أوكتوبر 2023 إسرائيل كفكرة واندحار جيش المهرولين الصهيوني الأرنبي بصورة سخر منها العالم وإرتباك وشلل محقق لمنظومة القيادة والسيطرة لدرجة تساؤل المستوطنين أين الجيش؟؟
عندها استنفر الغرب بقضه وقضيضه بوارج وسفنًا حربية وقوات عسكرية إلى الأبيض المتوسطي ليس لحماية واستيعاب السقوط المريع للجيش والكيان وحسب، إنما دفاعا عن الذات الغربية .
وهنا يبرز السؤال المركزي لماذا يتماهى الغرب الجماعي بالكيان الصهيوني حد الذوبان بمشروعه الاستيطاني التوسعي ويشيح النظر عن جرائمه وارتكاباته لا بل يتبناها بالكامل تحت عنوان الدفاع المشروع عن النفس .
إن الجواب الموضوعي المثبت بحقائق دامغة الذي لا لبس فيه ولا إبهام يندرج في سياق التلاقي اللاهوتي العقائدي الإيماني بين الغرب الجماعي والكيان الصهيوني الزائل بعدما تنامت في الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها على مدى عقود الحركات الأصولية المسيحية وجرى ربط القيم المسيحية والخلاصية العليا بأهداف الأصولية اليهودية والإيمان الاعمى بكل ما ورد في التوراة اليهودية( العهد القديم) وأقيم إيمانيًّا دمج كامل بين التوراة والإنجيل المعتمد في الكنيسة المسيحية تحت اسم الكتاب المقدس.
لقد سوَّغت الأصولية المسيحية (البعيدة كليا عن قيم رسالة الناصري يسوع بن مريم) النزعة الاستبدادية التوسعية وزرعت في وجدان المواطن الأميركي والغربي فكرة أن الحرب ضرورة وحاجة الهية واستندت في نظريتها إلى فكر ماكس فيبر الذي يمجد القوة والتوسع و الفكر السياسي الديني للكنائس البروتستانتية المتهودة.
والحال فإن العرب والمسلمين بنظرهم يشكلون عائقا أمام الإرادة الألهية في الصراع القائم مع ((إسرائيل)) وإن توسع المشروع الصهيوني في المشرق العربي وتحديدا سوريا التاريخية هو مشيئة إلهية لأن اكتمال مملكة ((إسرائيل)) يعجل في عودة السيد المسيح.
هذا الإطار المرجعي اللاهوتي يبرر دعم الغرب الجماعي لدولة الاغتصاب المؤقتة.
ويمكن لحظ تمايز بسيط في المنطلقات المشتركة والتطلعات المتماثلة في قضية التوقعات المسيحية وهو مسألة ((المجيء )) أي مجيء السيد المسيح هل سيكون للمرة الأولى أم للمرة الثانية؟؟.
فاليهودية تعتقد أن الذي وعد به اليهود لم يأت، وقامت المسيحية على اعتقاد بأن المجيء المنتظر تم وتمت عملية الفداء والخلاص ويقول المسيحيون الأصوليون في الغرب الجماعي:((إن مصيرنا مشترك، فاليهود ينتظرون المسيح ليجيء،ونحن المسيحيين ننتظر المسيح ليعود .وعلى أي حال ستتوحد المسيحية واليهودية من جديد بمجيئه أو بعودته، وسندرك جميعا أن هذا هو المسيح الذي كنا ننتظره)).
واليهود يؤجلون هذا الجدل اللاهوتي إلى ما بعد قيام(( إسرائيل الكبرى))للاستفادة القصوى من اندفاعة الغرب الجماعي سياسيًّا ودينيًّا المّسخَّر لخدمتهم في مسألة التعجيل بقيام ((مملكة إسرائيل)) المشروع الاستراتيجي للصهيونية العالمية.
وإن ننسى لا ننسى تصرفات بوش الابن كنبي ينفذ مشيئة الله وأن إدارته بنظر الأميركيين المتدينين تحظى بالعناية الإلهية ويسلك بايدن وإدارته لاسيما وزير خارجيته بلينكن وقادة الغرب الجماعي السلوك نفسه بالخلفية الدينية عينها .
إنَّ هذا البعد اللاهوتي في الصراع واستسلام الغرب الجماعي لكل سلوكيات اليهود الإجرامية المتوحشة في بلادنا لاسيما فلسطين المسبية وخاصة غزة الذبيحة على وقع خطى الرئيس الأميركي بايدن الذي قدم رأس غزة على طبق من دم للإله يهوه كما قُدم رأس يوحنا..
ويتشدق مع إدارته صبحا ومساء بعبارة خفض التصعيد، ويذخر نتنياهو بالقنابل الخارقة والأسلحة المحرمة دوليا لقتل اللبنانيين وتصفية قادة المقاومة وتقديم كل المعطيات وحاصل التكنولوجيا المتطورة للعصابة الحاكمة في تل أبيب لاستثمارها أمنيا في العمليات القذرة .
إنَّ غرق الغرب الجماعي في المتاهة اللاهوتية اليهودية والأفكار العنصرية التلمودية سيقود العالم إلى جحيم الحروب والنزاعات الدينية في وقت يخوض العرب الصراع على أساس الحقوق والمصالح ، فقضية فلسطين قضية قومية والبعد الديني الإسلامي والمسيحي في آن رافد أخلاقي لإرثنا الحضاري الإنساني العريق.
لقد تحدث قادة الصهاينة عن وحوش بشرية في غزة وعدم وجود أبرياء بين الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين وترجمة لهذا الفكر الصهيوني الإجرامي العنصري وحرب الإبادة والتطهير العرقي في غزة ولبنان ومن المفيد التوقف تدليلا واستنباطا للدروس عند بعض من وصايا (سفر التثنية في التوراة) .
13_15 فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف وتحرقها بكل ما فيها مع بهائمها..
13_16تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك فتكون تلا إلى الأبد لا تبنى بعد.
20_13وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بالسيف.
20_16وأما مدن هؤولاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما.
وعندما يجهد الصهاينة بوقاحة للتنصل من جريمة العصر في مشفى المعمداني لا يبدو الأمر مستهجنا فهذا دأبهم وديدنهم ووصايا شريعتهم كما جاءت في سفر التثنية والغرب الجماعي يغزل الكذب والتستر على منوالهم:
21 _7ويصرخون ويقولون أيدينا لم تسفك الدم وأعيننا لم تبصر.
وفق هذا المنطوق اللاهوتي ترتكب المجازر وتغسل الأيدي والعمى الدولي المسمى زورا العالم الحر يتماشى مع هذا النسق الدموي الفاشي المتغطرس على وقع النبؤات المزعومة وتزييف الحقائق فتضرب الكنيسة المسيحية بأبعادها الرسالية بتصويب من الصهيونية العالمية التي استهدفت القيم المسيحية وسعت لتدمير كنيسة الأرض حيث مهد المسيحية وصادرت أملاك المسيحيين وازدرت الرهبان والراهبات بالأفاعيل المشينة كالإهانات والبصق وسرقت العقارات والأموال المسيحية في القدس وهجرت الشهود على ولادة السيد المسيح عليه السلام فيما الغرب الجماعي غارق في أوهامه التوراتية متناسيا السيد المسيح له المجد ومبجلا إله القتل والتجزير يهوه ناهيك عن الاسهام المباشر بتهجير المسيحيين من الشرق من خلال دعم العصابات الإرهابية التي قضت على الإرث المسيحي الحضاري الضخم في بلادنا وكل ذلك خدمة للمشروع الصهيوني التوراتي التوسعي المدعوم غربيا بالضلالات الإيمانية الساقطة والانحرافات الدينية.
إن مجازر العدو الصهيوني في غزة ولبنان نفذها الصهاينة بدم بارد و الغرب الشريك في هذه المقتلة بحق الفلسطينيين واللبنانيين نراه صامتا" مجللا بالخزي والعار جراء تلك الخلفية اللاهوتية الخرافية التضليلية إنفاذا لأسفار التوراة وأوامر يهوه الذي يحضهم على إبسال كل نسمة حية على الأرض التي وطئوها ليتملكوها ويحكموا العالم من أورشليم.
انظروا إلى استحضار نتنياهو لكل تلك المصطلحات التلمودية :حرب يوم القيامة،البعث ،العماليق وتغيير اسم الحرب على غزة من السيوف الحديدية إلى حرب التكوين (كتاب توراتي يقرأه اليهود مع بداية سمحات التوراة الذي احتفل به الكيان الغاصب يوم 7 اوكتوبر تاريخ هجوم حماس المباغت)..إلى حرب سمحات التوراة وهو العيد الذي تختتم فيه قراءة التوراة السنوية الى حرب الرياح وهي صلاة يهودية للمطر...وأكثر ما يحبذ نتنياهو بإيحاء من سموتريتش وبن غفير اسم حرب التكوين لأنها تبدو جيدة مع ترجمتها للإنكليزية...
إن ما يجري يقع في ذمة منظمة الأمم المتحدة والبشرية جمعاء وعلى الشعوب العربية تقع مسؤولية إنقاذ فلسطين والأمة من براثن الصهيونية التي تفغر شدقها لابتلاع بلاد العرب واخضاع الشعوب العربية لمشيئتها بعد تمزيقها وتشليعها إثنيا وطائفيا وعرقيا تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد المحكوم والمستعبد من حكومة العالم الصهيونية الخفية .
رغم كل هذا التحشيد والتعبئة اللاهوتية وآثارها الدموية في غزة ولبنان ورغم كل الجراحات العميقة التي طالت المقاومة تهجيرا وتدميرا وأعمق جراحها استشهاد عزيز هذه الأمة ورمزها وملهم رجالها وأجيالها سماحة السيد حسن نصرالله فإن لاهوت المقاومة وثبات المقاومين في وجه ألوية مؤللة على حافة الجنوب وصلاتهم في محراب الحق وصلياتهم المظفرة سيبدد ظلم العدوان ومطامح ومطامع الكيان وشروطه المشفوعة بظلامية خرافات التلمود واراجيف التوراة وبالنقاط ستتراكم شروط زوال الكيان ووظيفته
وسيترسخ لاهوت المقاومة ويتجذر ليغدو أساس المشروع التحرري للأرض والإنسان وهذا الغرب الجماعي الذي يقوده خَرفٌ مخبول آيل حتما إلى الضمور ومعه أوروبا العجوز المستتبعة كالذيل أما ربيبته إسرائيل فهي زائلة حتما.. إنه وعد الله...

