محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
خلف الحروب تكمن المصالح الاقتصادية، وبالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فإن الاقتصاد والسيطرة والسباق مع الصين يشكلون الأسباب الأساسية للحرب في الشرق الأوسط، ومن ضمن الملفات الاقتصادية يقع ممر زنغزور.
يربط هذا الممر أذربيجان بجيب ناخيتشيفان ثم بتركيا، أو إسرائيل، ويشكل جزءًا من معركة إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي في أوراسيا والشرق الأوسط، ويعتبر أحد أهم المشاريع التي يمكن أن تعيد توزيع مراكز الثقل بين القوى الإقليمية والدولية، وتفتح الباب أمام ولادة شبكة جديدة من الممرات تمتد من آسيا الوسطى وصولًا إلى البحر المتوسط، ولذلك فإن الاهتمام الأميركي به كبير جدًا.
تنطلق قراءة الاهتمام الأميركي والأوروبي بالممر من السعي إلى تقليص الاعتماد على الممرات التي تسيطر عليها روسيا من جهة، أو تلك التي تمتلك إيران قدرة على التأثير فيها من جهة أخرى. فالمطلوب غربيًا إنشاء منظومة جديدة ترسم حركة التجارة والطاقة وفق ميزان القوى الذي تشكل بعد الحرب الأوكرانية، وهنا تسعى تركيا لتكون عقدة الوصل التي تعبر منها البضائع القادمة من آسيا نحو أوروبا، كذلك تفعل إسرائيل التي تريد أن تكون المحطة الأخيرة لممر زنغزور والخط الهندي، لتصبح القوة الاقتصادية الأولى في المنطقة وتتمكن من تحقيق حلم ومشروع إسرائيل الكبرى.
قد لا يوجد حتى اللحظة أي مشروع رسمي معلن أو اتفاق سياسي يتحدث عن مشاركة إسرائيل في ممر زنغزور، إنما، ومن باب المصالح الاستراتيجية، تبحث إسرائيل عن موقع داخل منظومة الممرات الجديدة التي يجري رسمها في المنطقة، أو على الأقل تبحث عن بيع ما لا تملكه، بمعنى أن تحصل من تركيا على أثمان مقابل حصول أنقرة على ما كانت تمتلكه أصلًا.
إسرائيل تدرك أن الحروب هي، بجزء منها، على المرافئ وخطوط السكك الحديدية وأنابيب الطاقة ومراكز الخدمات اللوجستية، وإذا كان ميناء حيفا قد طُرح في أكثر من مشروع إقليمي باعتباره محطة على خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، فإن من الطبيعي أن تنظر تل أبيب إلى ممر زنغزور باعتباره جزءًا من شبكة يمكن، في مرحلة لاحقة، أن تمتد جنوبًا نحو المرافئ الإسرائيلية عبر تركيا، أو بتحييد تركيا، أو عبر مشاريع ربط جديدة في شرق المتوسط.
قد يبدو هذا السيناريو بعيدًا اليوم، لكنه لا يتناقض مع الاتجاه العام الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، والقائم على دمج إسرائيل اقتصاديًا داخل الإقليم، بحيث تتحول من دولة تقع على هامش المنطقة ومنبوذة من دولها إلى عقدة اقتصادية داخلها، تتمتع بحضور سياسي بارز عبر الاتفاقات الإبراهيمية وقوة عسكرية كبيرة. وهذا ما ظهر سابقًا في مشاريع الربط الإقليمي المختلفة، كما يظهر أيضًا في الطروحات المتعلقة بالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والذي يمنح الموانئ الإسرائيلية دورًا محوريًا في حركة التجارة الدولية، وهو ما حاولت تركيا والسعودية ضربه من خلال اقتراح مسار جديد للخط الهندي يمر من الأردن إلى سوريا فتركيا، قبل أن تسيطر إسرائيل على الجنوب السوري لقطع التفكير بهذا المسار.
انطلاقًا من ذلك، يصبح ممر زنغزور حلقة أولى في سلسلة يمكن أن تتوسع تدريجيًا باتجاه شرق المتوسط. وإذا تحقق ذلك، فإن إسرائيل ستكون من أكبر المستفيدين، لأنها قد تصبح النهاية العملية لشبكة تجارية تمتد من آسيا الوسطى إلى البحر المتوسط.
هذا الاحتمال يقود إلى سؤال يتعلق بالعلاقة بين أنقرة وتل أبيب، فعلى الرغم من التوتر السياسي الذي يطبع خطاب الطرفين، فإن التجربة أثبتت أن المصالح الاستراتيجية هي الأهم، وأن الملفات الاقتصادية بقيت في كثير من الأحيان بمنأى عن التصعيد السياسي. لذلك لا يُستبعد أن تكون مشاريع الممرات التجارية جزءًا من مقايضات أكبر ترعاها واشنطن، بحيث تحصل تركيا على اعتراف بدورها المركزي في إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، مقابل مرونة في ملفات إقليمية تتصل بسوريا ولبنان وشرق المتوسط والعلاقة مع إسرائيل، وهنا قد يكون لبنان جزءًا من الثمن الذي قد يُمنح لإسرائيل، ويثير تساؤلات حول دور سوري محتمل في لبنان، في ظل الحديث الدائم عن رغبة أميركية بتدخل سوريا عسكريًا ضد حزب الله في لبنان.
وبالحديث عن لبنان، فقد يبدو بعيدًا جغرافيًا عن ممر زنغزور، لكنه في الحقيقة قد يكون من أكثر الدول تأثرًا بنتائج هذا المشروع، فإذا تحولت إسرائيل إلى مركز لوجستي رئيسي يربط آسيا بالبحر المتوسط، فإن ذلك سيعزز موقع موانئها على حساب موانئ المنطقة، خصوصًا بعد تدمير مرفأ بيروت. كما أن أي تفاهمات تركية إسرائيلية برعاية أميركية ستنعكس على ملفات لبنان وسوريا، وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الضغوط المتزايدة على لبنان، سواء في ملف الحدود أو في ملف السلاح أو حتى في النقاش الدائر حول مستقبل الجنوب، عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، بما يسمح بتحويلها إلى مركز اقتصادي إقليمي قادر على استقبال الاستثمارات والممرات التجارية من دون تهديدات أمنية دائمة.

