ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
في بيانٍ عاطفيٍ عالي النبرة، قدّم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم قراءةً عقائديةً تعبويّةً لاغتيال المرشد الإيراني علي الخامنئي، جامعاً بين مفردات «الشهادة» و«المقاومة» و«مقارعة الاستكبار»، ومؤكداً المضي في النهج نفسه «بعزم وثبات». غير أنّ البيان، على كثافته الرمزية، يشي فيما بين سطوره بحدود الدور الذي يستطيع الحزب أن يلعبه اليوم، إقليمياً ولبنانياً، في ظل حرب مفتوحة تتجاوز ساحات التقليد وتختبر توازنات دقيقة.
سياسياً، يندرج البيان في إطار تثبيت الانتماء الكامل إلى «الخط الخميني» وإعادة تأكيد وحدة الساحات مع طهران، أكثر مما هو إعلان لخطوة عملياتية وشيكة. فالنبرة العالية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل تُبقي سقف الخطاب عند مستوى التعبئة والردع المعنوي، من دون تحديد أدوات أو توقيت أو ساحات.
هذا النوع من البيانات يؤدي ثلاث وظائف إقليمية:
طمأنة القاعدة الحليفة لإيران بأن محور المقاومة لم يفقد بوصلته.
إرسال رسالة ردع سياسية بأن أي استهداف لرمزية القيادة لن يُحدث تصدّعاً في البنية العقائدية.
لكنّ المعطى الأهم هو أن البيان لم يتضمّن إعلاناً صريحاً بفتح جبهة لبنان، ولا حتى تلميحاً زمنياً، وهذا ليس تفصيلاً.
منذ اندلاع المواجهة الإقليمية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتعامل حزب الله مع معادلة شديدة الحساسية: هو جزء عضوي من محور إقليمي في حالة صدام مباشر، في دولة لبنانية مأزومة اقتصادياً ومالياً وسياسياً وعسكرياً وأمنياً.
وبالتالي، جبهة واسعة تعني عملياً تعريض الداخل اللبناني لدمار شامل، وإدخال البلاد في حرب مدمرة شاملة لا يريدها معظم اللبنانيين، ولا يريدون أن يعود لبنان إلى منطق الساحة ومنطلق الحروب للآخرين.
هنا يتبدّى التباين بين خطاب المقاومة المفتوح والقرار العملياتي المقيّد. فالحزب، رغم امتلاكه القدرة العسكرية شمال الليطاني، يواجه ضغوطاً دولية وعربية وداخلية تحذّر من انفلات الجبهة اللبنانية وعواقب أي مغامرة على المستوى الداخلي قبل أن يكون على المستوى الإقليمي وفي مواجهة رد إسرائيل.
من هذا المنطلق، يصبح البيان بمثابة رفع معنويات وتأكيد هوية، أكثر منه إشارة إلى تصعيد فوري. لكن، على الرغم من ذلك، ما تشهده المنطقة اليوم يجعل لبنان في موقع بالغ الدقة. فهو جغرافياً في تماس مباشر مع إسرائيل، التي ضاعفت حشودها العسكرية على الجبهة الشمالية مع جنوب لبنان، ويخشى من أي خطأ ميداني تتذرع به إسرائيل لتشن حرباً مفتوحة على لبنان.
في هذا السياق، يبقى السؤال المركزي: هل يستطيع حزب الله أن يفصل بين التزامه العقائدي تجاه طهران وبين حساباته اللبنانية؟
الجواب حتى اللحظة يميل إلى إدارة الاشتباك لا تفجيره، أي إبقاء الجبهة في مستوى مضبوط في حدود الخطاب السياسي، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
لكن في المقابل، لا يتضمن بيان الأمين العام لحزب الله أي إشارة إلى موقف رسمي لبناني جامع، ولا إلى التنسيق مع مؤسسات الدولة، ما يعكس استمرار الفجوة بين قرار السلم والحرب وبين الإطار الدستوري اللبناني.
المفارقة أخيراً أن البيان، بكل لغته العقائدية، يعكس براغماتية مضمرة. فالتصعيد الخطابي لا يوازيه تصعيد ميداني حتى الآن. والحزب يدرك أن فتح جبهة لبنان ليس مجرد خيار عسكري، بل قرار استراتيجي قد يغيّر موقعه داخل المعادلة اللبنانية نفسها، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تحوّل البلد من ورقة ضغط إلى ساحة احتراق.

