غدير نصرالدين - خاص الأفضل نيوز
انكمش الجنوب تحت وطأة صمتٍ ثقيل ولم يعد هناك صوتٌ للحياة، بل صار الصمت معبّأً في زوايا الشوارع، لا يكسره إلا أصوات الغارات وهدير الطائرات وانفجارات القذائف.
بين هذا الضجيج المدمِّر، تحوّلت القرى إلى أطلال، والطرقات إلى مسالك نزوحٍ طويل. ومع خروج الأهالي من بيوتهم وقراهم على أمل إيجاد مكانٍ آمن يحميهم من غدر العدو، بقِيَت على أرض الجنوب فرق الإسعاف، التي اختارت البقاء وسط النار، وتحوّلت إلى خط دفاع أخير عن حق الإنسان في النجاة، فأي تحديات جسيمة تواجههم وسط هذا الموت المتربّص؟
فِرق الإسعاف بين "الإنقاذ" و"الخطر"
في حديثٍ أجراه "الأفضل نيوز" مع عددٍ من المسعفين التابعين لفرق صحيّة مختلفة ما زالت في الجنوب، أكّدوا أنه لا يزال هناك مدنيون داخل القرى لا بد من تأمين حاجاتهم الأساسية، لكن لم يُسجَّل أي تحرك فعلي حتى اللحظة.
وأوضح أحد المسعفين أن بعض الغارات تقع نتيجة استهتار من المدنيين، فمثلاً عندما يكثر المدنيون من التنقل داخل القرية الواحدة لتبادل الطعام أو الحاجيات، يرصد العدو هذه التحركات ويستهدفهم. لذلك شدّد على ضرورة أن يغادر السكان القرى المهددة حفاظاً على سلامتهم وسلامة فرق الإسعاف على حدٍّ سواء.
وأضاف أن فرق الإسعاف كثيراً ما تضطر إلى التوجه نحو نقاط خطرة على حياتهم فقط لإنقاذ مدنيين عالقين بعد القصف، ما يضاعف المخاطر عليهم ويجعل مهمتهم أكثر تعقيداً.
كما أكد أن الحرب السابقة كانت مختلفة عن هذه الحرب تماماً، إذ كانت فرق الإسعاف عند وقوع أي غارة تكون شبه متأكدة من عدم وجود مدنيين بسبب نزوح جميع أهالي القرية.
أما اليوم فالوضع مختلف، إذ لا يزال عدد من المدنيين في قراهم ولم ينزحوا لأسباب متعددة، ما يجعل فرق الإسعاف تهرع إلى أي مكان يُستهدف، مهما كان الخطر، خشية وجود مدنيين تحت الأنقاض.
وأشار إلى أن أبرز التحديات التي تواجههم هي نقص الآليات اللازمة، خصوصاً تلك المخصصة لرفع الركام عند وجود أشخاص عالقين تحته، مناشداً الجهات المعنية لتأمين هذه المعدات بشكل عاجل وضروري.
أما على الصعيد الطبي، فأوضح أن الأدوية والأوكسيجين وغيرها من المستلزمات متوفرة لديهم بفضل التبرعات التي كانوا يتلقونها قبل اندلاع هذه الحرب.
وفي ختام حديثه، شدّد على أن بقاءهم في القرى رغم المخاطر ليس إلا تعبيراً عن محبتهم لأرضهم، وتطوعاً لخدمة المدنيين الذين أصرّوا على البقاء في منازلهم.
وهكذا، يبقى المسعفون في الجنوب شهوداً على المأساة، وحماةً للحياة وسط الموت، يكتبون بوجودهم قصة صمودٍ لا تنكسر مهما اشتد إجرام العدو…

