طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
في غمرة التحولات الدراماتيكية التي يشهدها الشرق الأوسط، يتقاطع مصير لبنان مع أكبر معركة إقليمية منذ عقود؛ فالحرب الإسرائيلية على حزب الله، والمواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية المفتوحة مع إيران، تضعان لبنان أمام مفترق طرق استثنائي: إما أن يخرج بإرادة دولة قادرة على حماية سيادتها، أو يتحول ساحة مفتوحة لتصفية حسابات كبرى لا علاقة له بها.
الأسابيع المقبلة تحمل في طياتها سيناريوهات متباينة، أبعادها إقليمية، لكن ثقلها سينعكس بلا شك على كل شارع وبيت لبناني.
منذ امتداد حرب غزة إلى جنوب لبنان إلى الحرب الدائرة الآن على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، تمسكت القيادة الإيرانية ولا تزال تتمسك بربط أي تفاوض مع واشنطن بمستقبل لبنان، وهذا الربط، الذي تصفه طهران بأنه "وحدة الساحات"، يجعل من لبنان ورقة استراتيجية في نزاع وجود إقليمي، إذ يعتبر حزب الله العمود الفقري للمقاومة والنفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي الطرف المقابل، ترفض إسرائيل بشكل قاطع أي ربط بين جبهة لبنان والمفاوضات مع إيران. القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب ترى في الحرب الحالية فرصة تاريخية ربما الأخيرة ، لتوجيه ضربة قاضية لحزب الله.
والمواقف الإسرائيلية تصاعدت من "إعادة الردع" إلى "تغيير الواقع الأمني في الشمال"، وصولاً إلى "تفكيك البنية العسكرية للحزب" وإقامة منطقة عازلة جنوب الليطاني، وهي تصر على أن المعركة مع الحزب منفصلة، ويجب أن تنتهي وفق شروط إسرائيلية أحادية، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير البنى التحتية اللبنانية ودفع البلاد نحو الانهيار.
أربعة سيناريوهات
وفي ضوء ذلك، تتوزع السيناريوهات المطروحة لمستقبل لبنان بين أربعة سيناريوهات متباينة:
ـ سيناريو "الغلبة" الإسرائيلية، في حال نجحت إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية من دون رادع إقليمي، سيواجه لبنان واقعاً جديداً يفرض فيه توازن قوى مختلفاً تماماً، مع تهميش كبير لحزب الله وفرض منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع جنوب الليطاني، لكن هذا السيناريو قد يأتي على حساب تفكك البنى الأمنية والمدنية اللبنانية، وصولاً إلى مخاطر تقسيم فعلية أو فرض وصاية أمنية إسرائيلية ـ غربية.
ـ سيناريو التسوية المقيدة، إذا اضطرت إسرائيل في النهاية إلى قبول صيغة تفاوضية ترعاها الولايات المتحدة وفرنسا، فإن إيران ستسعى لإمرار حماية لحزب الله تحت غطاء "اتفاق شامل"، في هذه الحال، قد ينجو الحزب لكن بترسانة محدودة ونفوذ سياسي منخفض، وستبقى السيادة اللبنانية مقيدة بضمانات إقليمية، وسط ترتيبات أمنية مشددة على الحدود.
ـ سيناريو الحرب الطويلة والانهيار، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال استمرار التعنت الإسرائيلي وتمسك إيران بالربط، عندها سيتحول لبنان ساحة حرب استنزاف مفتوحة، مع تدمير إسرائيلي متعمد لاقتصاده وبناه التحتية، واستمرار النزوح، وانزلاق نحو فوضى أليمة تطاول كل المؤسسات والأطراف.
ـ سيناريو انتصار المقاومة، وهو السيناريو الذي تريده إيران وحزب الله، ويقوم على فشل إسرائيل في فرض أمر واقع جديد في جنوب نهر الليطاني، وعدم قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة باجتثاث الحزب أو إجباره على الانسحاب شمالاً، في هذه الحال، يتحول جنوب الليطاني شاهداً على هزيمة استراتيجية إسرائيلية جديدة، تضاف إلى سلسلة إخفاقات سابقة.
هذا الفشل الإسرائيلي في حال تحقق لن يقتصر على كونه نكسة عسكرية فحسب، بل سيكون بمثابة ضربة قاسية لمشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يرى في توسيع المناطق العازلة وتغيير التركيبة السكانية وتأمين التفوق النوعي ركيزة أساسية لأمنه الاستراتيجي، انتصار حزب الله سيعيد رسم قواعد الاشتباك وفق معادلات جديدة، ويمنحه وإيران غطاءً سياسياً ومعنوياً لإعادة إنتاج نفوذهما الإقليمي، وربما دفع إسرائيل إلى مراجعة استراتيجية أوسع في المنطقة.
توازن القوى
وعلى الصعيد الداخلي اللبناني، لن يكون أي من هذه السيناريوهات محايداً في تأثيره على توازن القوى الهش القائم؛ ففي حال الانتصار الإسرائيلي أو التسوية التي تُضعف الحزب، سيجد خصوم الحزب الداخليين من قوى 14 آذار سابقاً، والقوى المسيحية المعارضة لسلاح الحزب أنفسهم في موقع أقوى نسبياً، قد يسعى بعضهم لترجمة هذا التحول الميداني إلى مكاسب سياسية على مستوى السلطة ومفاصل الدولة، مع محاولة إعادة تأكيد سلطة الدولة على القرار الحربي والاقتصادي.
غير أن هذا التحول قد يأتي محفوفاً بمخاطر انفجار داخلي إذا لم يُدَر بحكمة، خصوصاً في ظل واقع طائفي معقد ومجتمع مدجج بالسلاح؛ فالتخلص من نفوذ الحزب بالقوة قد يفتح باباً لنزاعات أوسع لا تقل خطورة عن الحرب مع إسرائيل.
أما في حال انتصار حزب الله أو خروجه من الحرب بمكانة معززة، فإن المشهد الداخلي سيتجه نحو مزيد من التهميش لقوى المعارضة السياسية للحزب، وستجد هذه القوى نفسها أمام خيارين حساسين: إما الانخراط في تسوية سياسية جديدة على قاعدة الواقع الميداني، وإما الدخول في مواجهة مكشوفة لا تملك لها أدوات متكافئة. وفي كل الحالات، ستبقى السلطة في موقع الراصد الذي تتحكم به موازين القوى الإقليمية قبل أن تكون للمؤسسات الدستورية الكلمة الفصل.

