يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه اليوم في الموقف الذي حاول تجنبه طوال مسيرته السياسية: إنه محاصر.
فبعد سنوات من اتباع استراتيجية "الضغط الأقصى" ضد إيران، وصل سيد البيت الأبيض إلى لحظة الحقيقة، حيث تبدو جميع خياراته المتاحة مرّة، وتكاليفها باهظة إلى حد غير مسبوق.
لطالما اعتقد ترامب أن الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات خانقة سيجبر طهران على الجثو على ركبتيها أو العودة إلى طاولة المفاوضات بشروطه. لكن الواقع أثبت عكس ذلك؛ فقد ردت إيران باستراتيجية "المقاومة النشطة"، وصعّدت من تحركاتها في المنطقة، مما جعل ترامب "رهينة" لقراراته السابقة.
اليوم، يقف الرئيس أمام طريق مسدود. فمن جهة، يدرك أن أي تصعيد عسكري شامل (حرب مفتوحة) سيعني تدمير وعوده الانتخابية بإنهاء "الحروب الأبدية"، وسيتسبب في قفزة جنونية بأسعار النفط قد تعصف بالاقتصاد العالمي. ومن جهة أخرى، فإن التراجع الآن أو تخفيف العقوبات دون مقابل ملموس سيظهره بمظهر الضعيف أمام حلفائه وخصومه على حد سواء، ويهدم صورة "المفاوض القوي" التي صنعها لنفسه.
وتكمن الخطورة في أن إيران أدركت نقطة ضعف ترامب؛ فهو يريد الضغط ولكن لا يريد الحرب. وبناءً عليه، بدأت طهران برفع سقف المخاطر، واضعةً الإدارة الأمريكية في زاوية ضيقة: إما القبول بالأمر الواقع وإقرار فشل سياسة الخنق الاقتصادي، أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية لا أحد يضمن نتائجها أو نهايتها.
هذه الأزمة تحولت بالنسبة لترامب إلى "ثقب أسود" سياسي.
فكلما حاول المناورة، وجد نفسه غارقاً أكثر في تعقيدات الشرق الأوسط التي وعد ناخبيه بالخروج منها. إن الخيارات المحدودة التي يمتلكها الآن تجعل من الصعب عليه إيجاد "مخرج مشرف".
إن الثمن الذي يدفعه ترامب الآن ليس سياسياً فحسب، بل هو استراتيجي بامتياز. لقد أصبحت المبادرة في يد الطرف الآخر، وباتت واشنطن تكتفي برد الفعل بدلاً من الفعل. إن أي طريق سيسلكه ترامب الآن – سواء كان التصعيد أو التهدئة – سيحمل معه فواتير سياسية واقتصادية لم يكن يتوقعها عندما قرر تمزيق الاتفاق النووي.
ففي نهاية المطاف، يواجه ترامب الحقيقة المرة: الاستراتيجيات الكبرى لا تُبنى على التغريدات أو الوعود الانتخابية، بل على فهم عميق لموازين القوى. والآن، يبدو أن "الرهينة" في المكتب البيضاوي ينتظر معجزة ديبلوماسية تخرجه من مأزق صنعته يداه.

