روجيه أبو فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
طارق بو نصار لم يقتنع بالإفادات ويوقف الأم والأشقاء بعد مقتل جان يمين على خلفية خلاف على الأبقار
لم تكن قضية وفاة الشاب جان نزيه يمين، بالنسبة إلى المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي طارق بو نصار، مجرد حادثة إطلاق نار انتهت بوفاة صاحبها داخل المستشفى، بل تحولت منذ اللحظة الأولى إلى ملف قضائي معقد ومتشعب، أحاطت به روايات متناقضة وأقوال متبدلة وأسئلة كثيرة دفعت القاضي بو نصار إلى التوسع في التحقيقات بصورة استثنائية، رافضًا الاكتفاء بما تم إبلاغه في الساعات الأولى، ومصرًّا على تتبع كل تفصيل، مهما بدا صغيرًا، للوصول إلى حقيقة ما جرى.
بدأت القضية عندما أصيب جان يمين بطلق ناري من بندقية صيد عيار 12 في منطقة البطن، ونقلته والدته ليلى زغيب وشقيقه يوسف يمين إلى مستشفى سيدة مارتين، حيث خضع للعلاج قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصابته الخطيرة. وفي موازاة ذلك، جرى ضبط بندقية الصيد التي استُخدمت في الحادثة، وتعميم بلاغ منع سفر بحق عدد من أفراد العائلة، فيما انطلقت التحقيقات القضائية والأمنية لمعرفة حقيقة ما حصل.
وتبيّن من الوقائع أن خلافًا عائليًا كان قد اندلع قبل الحادثة بين جان ووالدته وشقيقيه يوسف وشربل، على خلفية قيامه ببيع بقرتين كان شقيقاه قد اشترياهما له ليستفيد من إنتاج الحليب، بعدما كان يعاني من ظروف صحية صعبة ويعيش من هذا المورد. وبحسب الإفادات، فإن الإشكال انتهى ظاهريًا، إلا أن تداعياته لم تتوقف عند هذا الحد.
وفيما أكدت بعض الروايات أن الخلاف وقع في يحشوش وأن الحادثة حصلت هناك، أشارت معطيات أخرى إلى أن جان توجه لاحقًا إلى منزل شقيقه يوسف في الصفرا لمحاولة حل الخلاف مع أفراد عائلته، وأن ما جرى بعد وصوله إلى هناك شكّل محور التحقيقات الأساسية التي أشرف عليها القاضي طارق بو نصار.
ومع تقدم التحقيق، بدأت التناقضات تظهر تباعًا. فبينما تحدثت بعض الإفادات عن أن الحادثة وقعت في يحشوش، وردت معطيات أخرى تفيد بأن إطلاق النار حصل في الصفرا. كما برز خلاف واضح حول الأشخاص الذين كانوا موجودين ساعة الحادثة، وحول كيفية انتقال البندقية من مكان إلى آخر، وحول الشخص الذي كان يمسك بها لحظة انطلاق الطلقة النارية.
وأمام هذه التناقضات، لم يقتنع القاضي طارق بو نصار بالروايات الأولية، ورفض إقفال الملف على أساس فرضية واحدة. فأعطى توجيهاته بالتوسع إلى أقصى الحدود في التحقيقات، وأمر بالاستماع إلى جميع الأشخاص المعنيين أكثر من مرة، وإجراء مواجهات مباشرة بينهم، والتدقيق في التسجيلات الصوتية والاتصالات الهاتفية، ومقارنة كل إفادة بما ورد في سائر الإفادات والمعطيات الطبية والفنية.
وخلال التحقيقات، برزت تسجيلات صوتية ومحادثات جرى ضمها إلى الملف. كما ظهرت أقوال تفيد بأن شربل أبلغ جمانة، زوجة المغدور، في مرحلة معينة بأنه هو من أطلق النار على شقيقه، قبل أن يعود وينفي ذلك لاحقًا. وأثناء المواجهة القضائية، أكد شربل أنه قال ذلك فقط لحماية والدته، بعدما كانت الأخيرة قد أبلغت جمانة أنها هي من أطلقت النار، لكنه عاد وتمسك بأنه لم يكن موجودًا أساسًا في مكان الحادثة.
في المقابل، أصرت جمانة على أقوالها، مؤكدة أن ليلى زغيب أبلغتها يوم الحادثة بأنها هي من أطلقت النار على جان، قبل أن تعود وتقول لاحقًا إن شربل هو من فعل ذلك. كما أكدت أن شربل عاد واتصل بها وأبلغها أنه هو من أطلق النار على شقيقه أثناء إشكال وقع داخل منزل يوسف، وأن البندقية كانت موضوعة خلف باب الحمام وكانت تحتوي على طلقة نارية.
ومن بين النقاط التي استوقفت التحقيقات أيضًا ما أثير حول إزالة كاميرات المراقبة المثبتة في المبنى الذي وقع فيه الإشكال في الصفرا بعد الحادثة، وهو أمر اعتبره أصحاب الادعاء من الوقائع التي تستوجب التوقف عندها لمعرفة ما إذا كانت قد أخفت معطيات مهمة مرتبطة بالجريمة.
كما برزت مسألة اتجاه الطلقة النارية، التي قيل إنها دخلت من اليسار إلى اليمين، وهو ما دفع إلى طرح تساؤلات إضافية حول كيفية حصول الإصابة وإمكانية انسجامها أو عدم انسجامها مع بعض الروايات المقدمة في الملف.
أما والدة المغدور، ليلى زغيب، فقد أدلت بإفادات متعددة تحدثت فيها عن معاناة ابنها منذ سنوات من أمراض نفسية وعصبية مزمنة، وخضوعه للعلاج، وتوقفه عن تناول الأدوية قبل نحو ثلاثة عشر يومًا من الحادثة. كما أكدت أن العائلة كانت تخشى عليه بسبب حالته الصحية، وأنه سبق أن امتلك بندقية صيد عمد أحد أشقائه إلى التخلص منها قبل سنوات، ليعود لاحقًا ويشتري بندقية أخرى.
وأقرت الوالدة أيضًا بأنها أخذت البندقية بعد الحادثة وأبعدتها عن مكان وجود ابنها، ثم نقلتها معها قبل أن تعيدها إلى المنزل وتضعها في الصالون، حيث جرى تسليمها لاحقًا إلى القوى الأمنية. كما اعترفت بأنها لم تقل الحقيقة كاملة في بداية التحقيقات، وأنها أخفت بعض الوقائع بناءً على طلب ابنها أثناء نقله إلى المستشفى.
أما يوسف يمين، فأكد أن شقيقه كان يعاني من اضطرابات نفسية وعصبية مزمنة، وأن الخلافات معه كانت تتكرر بسبب النوبات التي كان يتعرض لها. وقال إنه لا يعلم كيف حصل إطلاق النار ولا من أطلقه، وإن كل ما شاهده هو شقيقه مصابًا والبندقية موجودة داخل السيارة خلال نقله إلى المستشفى.
وفي إفادات أخرى، قيل إن جان حضر إلى المنزل وهو يحمل البندقية وكان في حالة عصبية شديدة، وهدد أفراد عائلته قبل أن تنطلق الطلقة أثناء محاولة منعه من استعمال السلاح. وفي روايات أخرى، جرى الحديث عن سماع صوت إطلاق نار ثم العثور عليه مصابًا على الأرض، فيما كانت البندقية بالقرب منه.
هذه التناقضات الكثيرة لم يتعامل معها القاضي طارق بو نصار على أنها تفاصيل عابرة، بل اعتبرها عناصر أساسية تستوجب التوسع في التحقيق. ولذلك تابع شخصيًا الملف، وواكب مختلف مراحله، وطلب استكمال إجراءات متعددة للتثبت من الوقائع، ومقارنة الأقوال، ودراسة التسجيلات والمعطيات الفنية والطبية، وعدم ترك أي نقطة غامضة من دون تدقيق.
ومع تراكم القرائن وتبدل الروايات أمام المحققين، تكونت لدى القاضي قناعة بوجود شبهات جدية تستوجب إجراءات حاسمة. فقرر توقيف والدة المغدور ليلى زغيب وشقيقيه يوسف وشربل وسائر المعنيين الذين طالتهم الشبهات في الملف، وادعى عليهم بجرم القتل، واضعًا القضية على سكة المتابعة القضائية المعمقة لكشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات النهائية.
وتؤكد مصادر مواكبة أن ما دفع القاضي طارق بو نصار إلى اتخاذ هذا القرار لم يكن رواية واحدة أو إفادة منفردة، بل مجمل الوقائع والتناقضات والتسجيلات والمعطيات التي تكشفت تباعًا خلال التحقيقات، والتي جعلته يرفض التسليم بأي استنتاج مسبق ويصر على الوصول إلى الحقيقة كاملة مهما تطلب الأمر من وقت وجهد.
وهكذا تحولت قضية مقتل جان يمين من حادثة بدت في بدايتها وكأنها واقعة واضحة إلى ملف قضائي معقد تتنازع فيه الروايات والاتهامات والتناقضات، فيما بقي هدف القاضي طارق بو نصار واحدًا منذ اليوم الأول، وهو كشف حقيقة من أطلق النار على جان يمين، وكيف وقعت الجريمة، ومن يتحمل المسؤولية عنها أمام العدالة.

