ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
لم تعد عودة النازحين إلى قرى الجنوب مرتبطة فقط بوقف الحرب أو بانسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض النقاط الحدودية، بل باتت تتصل بمشروع سياسي أمني يجري تداوله في الجولات التفاوضية اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن تحت عنوان "المناطق التجريبية" أو الـ Pilot Zones. وهو مشروع يُفترض أن يشكل نموذجاً أولياً لإعادة بسط سلطة الدولة اللبنانية على أجزاء من الجنوب تمهيداً لتوسيع التجربة لاحقاً إذا نجحت.
بات معروفًا أن الطرح يقوم على إنشاء مناطق محدّدة تكون خالية من أي وجود مسلح، على أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية تدريجياً، ويتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها، بما يسمح بعودة الأهالي إلى منازلهم وإطلاق ورشة إعادة إعمار وخدمات أساسية تعيد الحياة إلى البلدات المتضرّرة. غير أن هذه الخطوة لا تزال تصطدم بعقبات سياسية داخلية وخارجية تجعل ولادته الفعلية مؤجلة إلى إشعار آخر.
في قلب هذه العقبات يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتعامل مع الطرح من زاوية سياسية تتجاوز البعد الأمني المباشر. فبالنسبة إليه، لا يمكن الانتقال إلى البحث في ترتيبات ميدانية جديدة فيما تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية الجوية والبرية والبحرية داخل لبنان. لذلك يصرّ على أن تكون الخطوة الأولى وقفاً شاملاً لإطلاق النار، يترافق مع التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، ضمن جدول زمني محدد ومعلن.
ويعكس هذا الموقف قناعة لدى بري بأن أيّ مسار تفاوضي لا ينطلق من تثبيت وقف النار، قد يتحول إلى وسيلة ضغط على لبنان بدلاً من أن يكون مدخلاً للحل. كما أن رئيس المجلس لا يخفي اعتراضه على الطروحات التي تتحدث عن لوائح تضم أكثر من ألفي مقاتل من مقاتلي حزب الله يُطلب منهم مغادرة منطقة جنوب الليطاني، باعتبار أن جزءاً كبيراً منهم من أبناء القرى الحدودية أنفسهم، وأن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بمنطق الأسماء والقوائم، بل ضمن تسوية سياسية وأمنية متكاملة.
أما حزب الله، فينظر إلى مشروع المناطق التجريبية بعين الريبة، إذ يخشى أن يتحول إلى إطار يفرض أشكالاً من التنسيق الأمني بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، سواءً عبر لجان مراقبة أو آليات متابعة ميدانية، وهو ما يرفضه الحزب بشكل قاطع، انطلاقاً من اعتباره أن أي ترتيبات من هذا النوع قد تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الهدف المعلن منها.
في المقابل، يبدو رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الأكثر تمسكاً بإعطاء فرصة للمسار التفاوضي. فمنذ توليه الرئاسة، وضع ملف الجنوب في صدارة أولوياته، مستنداً إلى رؤية تقوم على تعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني. ولهذا السبب تكثفت اتصالاته مع الأطراف الدولية المعنية بالملف، كما ناقش مع السفير سيمون كرم مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والتحضيرات للجولة المقبلة المرتقبة.
يعوّل عون على أن تشكل الجولة الخامسة من المفاوضات محطة مفصلية تسمح بالانتقال من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة البحث في آليات التهدئة الدائمة، بما يفتح الباب أمام تنفيذ مشروع المناطق التجريبية وعودة تدريجية للنازحين. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بتطورات أوسع تتجاوز الساحة اللبنانية، ولا سيما المفاوضات الأميركية الإيرانية وما قد تنتجه من تفاهمات إقليمية.
حتى الآن، لا تزال "المناطق التجريبية" فكرة قيد الاختبار السياسي أكثر منها مشروعاً جاهزاً للتنفيذ. لكن المؤكد أن عودة أهالي الجنوب، التي تشكل أولوية وطنية وإنسانية، لن تتحقق إلا عبر معادلة تجمع بين وقف الحرب، وانسحاب إسرائيل، وانتشار الدولة اللبنانية، وهي معادلة لا تزال تنتظر لحظة التوافق عليها داخلياً وخارجياً.

