طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
يمرُّ لبنان في مرحلة شديدة الحساسية قد تكون من أكثر المراحل تعقيداً منذ حرب تموز 2006. فالقصف الإسرائيلي الأخير للضاحية الجنوبية لبيروت، واستمرار الاعتداءات على الجنوب، ورد إيران المباشر على إسرائيل، كلها تطورات وضعت لبنان مجدداً في قلب النزاع الإقليمي، وربطت مستقبله السياسي والأمني بمسارات تفاوضية تتجاوز حدوده.
ظاهرياً يبدو المشهد اللبناني أسير التصعيد العسكري، إلا أن قراءة أعمق للتطورات تكشف أن المنطقة تشهد في الوقت نفسه نزاعا بين مشروعين متوازيين: مشروع الحرب ومشروع التسوية، ولذلك فإن مستقبل لبنان خلال الأشهر المقبلة سيتحدد إلى حد كبير وفق قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على ترجيح أحد هذين المسارين:
ـ أولاً، على المستوى اللبناني ـ الإسرائيلي، لا يبدو أن المفاوضات التي ترعاها واشنطن قد تعطّلت على رغم من الضربات العسكرية الأخيرة؛ فالتجربة التاريخية في المنطقة تظهر أن المفاوضات كثيراً ما تستمر تحت النار، وأن العمليات العسكرية تستخدم أحياناً لتحسين الشروط التفاوضية لا لإلغاء التفاوض نفسه، لذلك يمكن اعتبار القصف الإسرائيلي جزءاً من محاولة فرض وقائع أمنية جديدة والضغط على الدولة اللبنانية وحزب الله قبل أي اتفاق طويل الأمد، لكن استمرار الضربات داخل العمق اللبناني يحمل في المقابل مخاطر كبيرة على فرص التفاوض. فكلما ارتفع عدد الشهداء واتسعت رقعة الدمار، ازدادت صعوبة تسويق أي تسوية سياسية لدى الرأي العام اللبناني، وارتفعت الأصوات الرافضة لأي انفتاح على مسار تفاوضي مع إسرائيل، ومن هنا تبدو واشنطن أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الضغط على حزب الله من جهة، ومنع انهيار المسار التفاوضي من جهة أخرى.
ـ ثانياً، يرتبط مصير هذه المفاوضات ارتباطًا وثيقاً بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. فإيران تعتبر أن أي ترتيبات أمنية كبرى في لبنان لا يمكن فصلها عن موقعها الإقليمي وعن مستقبل نفوذ حلفائها، ولذلك فإن التقدم في التفاوض الأميركي ـ الإيراني قد يفتح الباب أمام تهدئة طويلة نسبياً في لبنان، بينما يؤدي فشله إلى تحويل الساحة اللبنانية مجدداً إحدى ساحات المواجهة غير المباشرة بين الطرفين.
في هذا السياق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة هي:
ـ الأول: نجاح المسار التفاوضي الأميركي ـ الإيراني. وفي هذه الحال تزداد فرص تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وتتقدم المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية نحو تفاهمات أمنية أوسع تتعلق بالحدود والضمانات الأمنية وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، كما قد يشهد لبنان تدفقاً أكبر للمساعدات الدولية والاستثمارات المرتبطة بإعادة الإعمار والاستقرار.
ـ الثاني: بقاء الوضع في المنطقة بين الحرب والتفاوض، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور. ففيه تستمر الضربات المتقطعة والعمليات المحدودة، بالتوازي مع استمرار المفاوضات من دون اختراقات حاسمة. وهذا يعني بقاء لبنان في حالة استنزاف اقتصادي وأمني، من دون الوصول إلى حرب شاملة أو سلام فعلي.
ـ الثالث: انهيار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وعندها يصبح لبنان مرشحاً للعودة إلى واجهة النزاع الإقليمي؛ فإسرائيل قد ترفع مستوى عملياتها العسكرية، بينما قد ترى إيران وحلفاؤها أن الساحة اللبنانية تشكل إحدى أوراق الضغط الرئيسية في مواجهة واشنطن وتل أبيب. ويُعد هذا السيناريو الأخطر على الاستقرار اللبناني وعلى فرص النهوض الاقتصادي.
وفي ضوء ما تقدم يبدو أن مستقبل لبنان لم يعد مرتبطاً فقط بالتوازنات الداخلية أو حتى بالعلاقة مع إسرائيل، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات واشنطن وطهران وتل أبيب. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المفاوضات ستستمر، بل أي طرف سيتمكن من فرض شروطه على طاولة التفاوض بعد انتهاء جولة التصعيد الحالية.
حتى الآن، لا تدل المؤشرات إلى رغبة دولية في حرب إقليمية مفتوحة، لكن ذلك لا يعني أن لبنان خرج من دائرة الخطر فالبلاد تقف عند مفترق طرق حقيقي: إما أن تتحول التوترات الحالية إلى مدخل لتسوية تاريخية تعيد رسم قواعد الاشتباك في الجنوب، وإما أن تكون مجرد محطة جديدة في دورة طويلة من الحروب المؤجلة.
ولكن بعد تبادل الضربات بين إيران وإسرائيل فإن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل كرّست الأحداث الأخيرة معادلة "الضاحية مقابل المستوطنات"، أم أن ما جرى ما يزال بعيداً عن تثبيت قواعد اشتباك جديدة؟
حتى الآن، يصعب الجزم بأن معادلة ثابتة قد وُلدت بالفعل. صحيح أن الضربة الإسرائيلية للضاحية الجنوبية تبعتها مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل وردود متبادلة، ما أوحى بأن أي استهداف لبيروت قد يستجلب رداً يتجاوز الساحة اللبنانية، إلا أن الوقائع الميدانية لا تشير إلى وجود تفاهم غير معلن يمنع إسرائيل من تكرار استهداف الضاحية مستقبلاً. بل على العكس، ما زالت القيادة الإسرائيلية تؤكد احتفاظها بحرية العمل العسكري في لبنان، فيما تواصل اعنداءاتها في الجنوب وتلوّح بتوسيعها عند الضرورة. ولذلك قد يكون الأدق القول إن المواجهة الأخيرة لم تؤسس بعد لمعادلة "الضاحية مقابل المستوطنات"، بل أظهرت أن أي تصعيد في لبنان بات قابلاً للانتقال سريعاً إلى مستوى إقليمي أوسع يشمل إيران نفسها. وهذا فارق جوهري بين معادلة ردع مستقرة ومعادلة تصعيد متحركة لا تزال قيد الاختبار.
ومن هنا تنبع المشكلة اللبنانية. فإذا استمرت إسرائيل في اعتبار أن الساحة اللبنانية منفصلة عن التفاهمات المحتملة مع إيران، فقد يتجدد قصف الضاحية أو مناطق لبنانية أخرى كلما رأت تل أبيب أن ذلك يخدم أهدافها العسكرية أو التفاوضية. أما إذا نجحت طهران في ربط أمن لبنان مباشرة بأمنها الاستراتيجي، فإن المسار اللبناني سيبقى عملياً رهينة المسار الإيراني، بحيث يصبح أي تقدم أو تعثر في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية عاملاً مقرراً في الاستقرار اللبناني.
غير أن هذا الربط لا يبدو مرغوباً لدى معظم الأطراف المنخرطة في المشهد الحالي. فإسرائيل تسعى إلى معالجة الملف اللبناني ضمن ترتيبات أمنية مباشرة تحد من نفوذ حزب الله ولا تجعل كل استحقاق لبناني مرتبطاً بطهران. والولايات المتحدة تنظر إلى المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في اعتبارها مساراً مستقلاً يمكن أن يحقق مكاسب ديبلوماسية وأمنية حتى في ظل التعقيدات الإقليمية. أما السلطة اللبنانية، المنخرطة في المفاوضات برعاية واشنطن، فترى أن مصلحتها تكمن في تكريس مرجعية الدولة اللبنانية في أي تفاهم مقبل، لا في تحويل لبنان مجرد ساحة تفاوض إضافية ضمن الملف الإيراني الأوسع.
وعليه، فإن النزاع الحقيقي في المرحلة المقبلة قد لا يكون فقط حول وقف النار أو استمرار الحرب، بل حول هوية المرجعية التي ستحدد مستقبل لبنان الأمني: هل هي الدولة اللبنانية عبر مفاوضاتها المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، أم التوازنات الإقليمية المرتبطة بالعلاقة بين واشنطن وطهران؟
إن الإجابة على هذا السؤال ستكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان لبنان يتجه نحو تسوية مستقلة نسبياً، أم نحو مرحلة جديدة يبقى فيها مصيره معلقاً على إيقاع التفاهم أو الصدام بين الولايات المتحدة وإيران.

