راما الجراح_خاص الأفضل نيوز
لطالما شكّل فصل الصيف الرئة الاقتصادية للبنان، إذ يعوّل عليه القطاع السياحي سنوياً لتعويض جزء من الخسائر التي تكبّدها نتيجة الأزمات المتلاحقة. غير أنّ الحرب الدائرة وما تفرضه من مخاوف أمنية وتداعيات اقتصادية أعادت خلط الأوراق، ووضعت الموسم السياحي الحالي أمام تحديات غير مسبوقة، في وقت كانت فيه الآمال معلّقة على استقطاب المغتربين والزوار خلال الأشهر الممتدة من منتصف حزيران حتى منتصف أيلول.
لم تكن تداعيات الحرب على القطاع السياحي وليدة الأشهر الأخيرة، بل بدأت منذ اندلاع المواجهات في الجنوب اللبناني أواخر عام 2023، ما انعكس تراجعاً في حركة الوافدين وإلغاءً للعديد من الحجوزات والبرامج السياحية. ومع اتساع دائرة المخاطر الأمنية وتزايد التحذيرات الدولية من السفر إلى لبنان، بات القطاع يواجه تحديات متراكمة أثّرت على الفنادق والمطاعم وشركات السفر والطيران، وسط مخاوف من خسارة موسم صيفي جديد يُعدّ أساسياً بالنسبة للاقتصاد اللبناني.
شمس الدين: أسبوعان يحسمان مصير الموسم السياحي
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشركة الدولية للمعلومات محمد شمس الدين أنّ مصير الموسم السياحي الحالي مرتبط بشكل مباشر بمسار التطورات الأمنية خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى أنّ "استمرار الحرب لأسبوعين إضافيين من دون التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار سيعني عملياً خسارة الموسم الصيفي".
ويقول شمس الدين عبر "الأفضل نيوز" إنّ شريحة من اللبنانيين المقيمين في الخارج لم تحسم قرارها النهائي بعد بشأن القدوم إلى لبنان، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع خلال الأسبوعين المقبلين، إلا أنّ عدداً كبيراً منهم استبعد لبنان من خططه الصيفية لهذا العام. ويضيف: "الموسم السياحي في لبنان يبدأ فعلياً من منتصف حزيران ويستمر حتى منتصف أيلول، وبالتالي فإن أي تأخير إضافي في التهدئة سيقضي على الفرصة المتبقية لإنقاذ الموسم".
ويلفت إلى أنّ ما يُعرف بالسياحة اللبنانية يعتمد بصورة أساسية على اللبنانيين المغتربين، موضحاً أنّ نحو 80 في المئة من الوافدين خلال فصل الصيف هم من اللبنانيين المقيمين في الخارج، فيما تشكّل الجنسيات العربية، وخصوصاً الأردنية والمصرية والعراقية، النسبة المتبقية. ويقدّر عدد الوافدين الإضافيين خلال الموسم الصيفي بما بين 700 و800 ألف شخص سنوياً.
ويشير شمس الدين إلى أنّ بعض الإحصاءات المتداولة حول وصول أكثر من مليون أو مليون ونصف مليون سائح عبر مطار بيروت تحتاج إلى قراءة دقيقة، موضحاً أنّ جزءاً كبيراً من هذه الأرقام يمثّل حركة السفر الاعتيادية التي تستمر طوال العام، بينما يجب احتساب الزيادة الموسمية الفعلية لتقدير حجم النشاط السياحي المرتبط بالصيف.
أما على مستوى الخسائر، فيؤكد أنّ القطاع بدأ يدفع الثمن منذ الآن، موضحاً أنّ نحو 25 في المئة من الموسم قد خُسر بالفعل نتيجة إلغاء الحجوزات أو إحجام العديد من المغتربين عن التخطيط لزيارة لبنان. كما ساهم ارتفاع أسعار بطاقات السفر في زيادة الأعباء على العائلات اللبنانية المقيمة في الخارج، إذ ارتفعت كلفة سفر بعض العائلات من نحو أربعة آلاف دولار إلى ما يقارب سبعة آلاف دولار، ما دفع العديد منها إلى إعادة النظر في قرار السفر.
ويستشهد شمس الدين بأرقام عيد الأضحى كمؤشر على حجم التراجع، إذ يلفت إلى أنّ عدد الوافدين خلال هذه الفترة بلغ العام الماضي نحو 120 ألف شخص، فيما تراجع هذا الرقم هذا العام إلى مستويات متدنية جداً، ما يعكس حجم التأثر الذي أصاب القطاع نتيجة الأوضاع الأمنية الراهنة.
الفنادق: حجوزات شبه معدومة وانتظار حذر
من جهته، يؤكد أحد أصحاب الفنادق في بيروت أنّ الحركة السياحية تشهد حالة من الجمود غير المسبوق، مشيراً إلى أنّ الحجوزات الجديدة تكاد تكون معدومة خلال الفترة الحالية، فيما فضّل عدد من الزبائن تأجيل أو إلغاء إقاماتهم بانتظار اتضاح المشهد الأمني.
ويقول إنّ القطاع الفندقي كان يراهن على موسم الصيف لتعويض جزء من الخسائر المتراكمة خلال السنوات الماضية، إلا أنّ استمرار الحرب بدّد هذه الآمال، مضيفاً أنّ العديد من المؤسسات السياحية والمطاعم أوقفت خططها التوسعية أو خفّضت نشاطها بسبب تراجع الطلب، فيما ألغيت حفلات ومناسبات كانت تشكّل مورداً أساسياً للقطاع خلال أشهر الصيف.
في ظل هذه المعطيات، يواجه القطاع السياحي اللبناني واحدة من أصعب مراحله مع تراجع الحجوزات وارتفاع كلفة السفر واستمرار حالة عدم الاستقرار. وتزداد المخاوف من خسارة موسم كان يُعوَّل عليه لإنعاش الاقتصاد، فيما يبقى القطاع عالقاً بين ترقّب أي انفراج وتفاقم الخسائر يوماً بعد يوم.

