طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
يترنّح لبنان منذ سنوات على إيقاع أزمات مفتوحة، أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، ما يجعل من غير الممكن التعامل مع الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية كأنها استحقاق إداري معزول عن الواقع. فبين منطقة وأخرى، وبين طالب وآخر، تتفاوت الظروف إلى حدّ يجعل من مبدأ تكافؤ الفرص شعاراً نظرياً أكثر منه واقعاً ملموساً.
أهداف غائبة
الامتحانات الرسمية في جوهرها وسيلة لقياس التحصيل العلمي والكفاءة المعرفية لدى الطلاب، لكنها تفقد جزءاً أساسياً من عدالتها عندما يصبح الوصول إليها غير متساوٍ، والتحضير لها متفاوتاً، والبيئة المحيطة بها محكومة بالقلق والتوتر وصعوبة التنقل. عندها لا تعود النتائج انعكاساً دقيقاً للمستوى المعرفي، بل للفوارق القاسية التي فرضتها الظروف على الطلاب.
مبادرة تربوية
من هنا تبرز أهمية المبادرة التي قدّمها رئيس لجنة التربية النيابية النائب حسن مراد، وزميلته بولا يعقوبيان، الداعية إلى إلغاء الامتحانات الرسمية لهذا العام واعتماد آليات تقييم بديلة تحفظ المستوى التربوي وتراعي الواقع الاستثنائي الذي يعيشه لبنان، أهمية هذا الطرح لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه يعيد فتح نقاش جدي حول موقع الطالب في السياسات التربوية.
المسألة ليست تخفيفاً للمسؤولية ولا تفريطاً بالمستوى التعليمي، بل مقاربة مختلفة لمفهوم العدالة التربوية. فكيف يمكن الحديث عن امتحان موحّد في دولة تتفاوت فيها القدرة على التنقل والاستقرار وإمكانات التعلم نفسها؟
غياب الواقعية
أثقلت السنوات الأخيرة كاهل اللبنانيين جميعاً، ومنهم الطلاب، بأزمات متراكمة وضغوط اقتصادية ونفسية وأمنية هائلة، وفي ظل هذه الظروف، يصبح الإصرار على الامتحانات التقليدية تجاهلاً لحجم التحولات التي أصابت بنية التعليم نفسها.
إن إقرار اقتراح إلغاء الامتحانات الرسمية، ضمن إطار بدائل علمية منصفة وواضحة، لا يُعدّ تراجعاً عن المعايير التربوية، بل إعادة تعريف لمفهوم العدالة في زمن غير اعتيادي؛ فالدولة التي تحترم أبناءها هي تلك التي تعترف بظروفهم قبل أن تطلب منهم اجتياز اختبارات مصيرية.
ختامًا قيمة الشهادة الرسمية ليست في شكل الامتحان، بل في قدرتها على أن تكون نتيجة عادلة لفرص متكافئة، وأي نظام تربوي يتجاهل هذه الحقيقة، يغامر بجوهر العدالة التي يفترض أن يقوم عليها.

